ماليزيا بتراثها الإسلامي في مواجهة التوترات العرقية (رويترز-أرشيف)

عبد العظيم محمد عبد الرحيم

لم يكن أكثر المتشائمين في الحكومة الماليزية يتوقع أن تثير إزالة معبد هندوسي أقيم بطريقة غير مشروعة على مشارف العاصمة كوالالمبور في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي كل تلك التداعيات وموجات الاحتجاجات من قبل الأقلية الهندية.

ففي العاشر من ذلك الشهر خرج الهنود الماليزيون في تظاهرة للمرة الأولى مطالبين الحكومة بإجراء إصلاحات على النظام الانتخابي. وفي السادس والعشرين من نفس الشهر شارك نحو 10 آلاف منهم في تظاهرة أخرى احتجاجا على ما وصفوه بالتمييز الذي يمارس ضدهم.

واندلعت تلك التظاهرات بتنظيم من منتدى العمل من أجل حقوق الهندوس (هندراف)، وهو ائتلاف يضم 30 منظمة هندية غير حكومية تزعم أن هناك تهميشا للهندوس في ماليزيا.

وأماطت التظاهرتان اللثام عن توتر عرقي في بلد كان يعد نموذجا للتعدد العرقي في العالم. فالعرقية المالاوية تشكل حوالي 60% من سكان ماليزيا البالغ تعدادهم 27 مليون نسمة وتهيمن على الوظائف الحكومية وكل المشاريع المملوكة للدولة.

ويأتي الماليزيون المنحدرون من أصل صيني في الثانية بنسبة 25% من السكان وهم يسيطرون على مؤسسات القطاع الخاص. أما الهنود فيمثلون 8% فقط من السكان ويقبعون في أسفل السلم السياسي والاقتصادي في ماليزيا.

تهدئة خواطر
ويزعم الهنود أنهم مهمشون ويتهمون المؤتمر الهندي الماليزي، وهو ثالث أكبر حزب في الائتلاف الحاكم، بالفساد والتقاعس عن المطالبة بتحسين أوضاعهم.

وإزاء هذا الشعور بالامتعاض الذي ينتاب أفراد الأقلية الهندية اتخذ القادة الماليزيون بعض الخطوات لتهدئة خواطرهم تمثلت في الاعتذار لهم عن هدم معبد شاه علم.

وفي خطوة استرضائية أخرى أعلنت الحكومة 23 يناير/ كانون الثاني عطلة عامة احتفالا بمهرجان تايبوسام الهندوسي السنوي.

ورأت صحيفة ذي كريستيان ساينس مونيتور الأميركية أن أحد الأسباب وراء إزالة المعبد هو تحول البلاد السلس من الاقتصاد الزراعي الذي كان يهيمن عليه المهاجرون الهنود التاميل إلى اقتصاد صناعي متطور.

ومع إعادة تخطيط مزيد من الأراضي بدأت مراكز تجمع الهنود التي تشتمل على مساكن توفرها الشركات الزراعية ومدارسهم ومعابدهم في التلاشي.

وأظهرت دراسة أجريت في 2004 أن نحو 300 ألف شخص فقدوا وظائفهم في المزارع في الفترة بين 1980 و2000. وانتقل العديد من الهنود التاميل إلى المدن حيث التحقوا بأعمال وضيعة ذات عائد مادي قليل.

ولكن ليس جميعهم من أصحاب الحظ العاثر ذلك أن ما يقارب ربع عدد الأطباء والمحامين في ماليزيا من الهنود، حتى إن كثيرين من مفكريهم يعترضون على خطب هندراف النارية رغم تعاطفهم مع محنة الفقراء منهم.

ويعتبر معظم الهنود الحاليين أحفاد عمال من أصول تاميلية كان المستعمر البريطاني قد استجلبهم من الهند في القرن التاسع عشر الميلادي للعمل في مزارع المطاط بماليزيا. وقد عاشوا فقراء في أكواخ وكانوا يتقاضون أجورا زهيدة.

وتدعي الأقلية الهندية أن أفرادها أشد فقرا من ذي قبل وتعزو ذلك إلى السياسة التي تتبعها الدولة في محاباة المالاويين في الوظائف والتعليم والعقود والمشاريع الحكومية.

تذمر ونفور

هل تنجح إجراءات تهدئة الخواطر (رويترز-أرشيف)

ولا يقتصر الحال على الهنود وحدهم، فالصينيون يتذمرون أيضا رغم أنهم أقل تأثرا من نظرائهم حيث ازدهرت الأعمال الخاصة لمعظمهم خاصة أن قسما كبيرا من القطاعات الاقتصادية تقع تحت سيطرتهم.

ويرى بعض المراقبين للشأن الماليزي أن جرأة المتظاهرين في إبداء احتجاجاتهم قد هزت أركان النظام السياسي في دولة ظلت تنعم بالاستقرار ردحا من الزمن وتفاخر بأنها باتت أحد النمور الاقتصادية في قارة آسيا.

على أن ثمة مخاوف من أن تؤدي تلك التوترات العرقية إلى نفور رؤوس الأموال من الاستثمار في اقتصاد ماليزيا المزدهر، وهو تحد آخر تواجهه حكومة رئيس الوزراء عبد الله أحمد بدوي الذي تسلم مقاليد الأمور في أكتوبر/ تشرين الأول 2003 من سلفه مهاتير محمد الذي يعود إليه الفضل في ذلك الازدهار

ويحذر محللون من مغبة أن يصل غضب الماليزيين الذين يشعرون بالاستياء درجة الغليان من جراء ما يرونه من تمييز ضد الأقليات والافتقار للحرية الدينية وتدخل السياسيين في شؤون القضاء والانتخابات غير النزيهة والفساد.

ويبقى القول إنه دون إصلاحات في النظام الانتخابي وترسيخ دعائم التعددية العرقية ووجود قيادة تعمل على تعزيز الأمن وضمان تمثيل عادل لكل الأعراق ستواجه ماليزيا أوقاتا عصيبة أخرى في المستقبل قد تهدد استقرارها وتقوض ازدهارها الاقتصادي.

المصدر : الجزيرة