نحو ثلاثة ملايين حاج توجهوا هذا العام إلى الديار المقدسة لأداء المناسك (الفرنسية)
 
محمد داود-منى
 
حين يلبس الحاج (أو المعتمر) ملابس الإحرام ويستقبل مكة المكرمة يقول "لبيك اللهم حجا" أو لبيك عمرة للمعتمر، يقولها بصوت يسمعه من حوله ولا يضمرها كما يفعل في سائر عباداته، فالنية في الحج معلنة.
 
ولا تتوقف خصوصيات الحج عند التلفظ بالنية ففي حين يشرع للمسلم الرجل أداء كل عباداته الأخرى مرتديا ملابسه العادية فإن للرجل إذا حج لباس يعرفه الجميع، يتكون من رداء وإزار أبيضين غير مخيطين، ويعتقد البعض أنهما جعلا على هذه الهيئة ليقربا النفس من استحضار الموت والكفن، بينما يقول آخرون إنهما على صورتهما هذه يساويان بين الناس فتختفي الفوارق الطبقية والجغرافية والبيئية ويتوحد الحجاج في مظهرهم كما توحدت قلوبهم متجه لله رب العالمين.
 
والحج أيضا فرض على المسلم القادر مرة واحدة في عمره مقابل شهادتين تختزلان المعتقد ترافقان المسلم في كل لحظة، وخمس صلوات في اليوم وصيام شهر يتكرر كل عام وزكاة تستحق إذا حال الحول على المال.
 
ولا يؤدى الحج إلا في مواقع محددة وأيام معينة خلافا لكل العبادات، فلئن كان الزمان محددا للصوم والصلاة فإنه يجوز تأديتهما في كل مكان، أما الحج فله مواقع خاصة به لا يجوز إتيانها في غير الزمان المقرر له، بل إن الوقوف في عرفة بعد انقضاء يوم التاسع من ذي الحجة لا خصوصية له ولا يعتبر عبادة.
 
ألفاظ خاصة
حتى ألفاظ الحج تحمل خصوصيات ترتبط بالعبادة فالخروج من عرفة إلى مزدلفة يسمى نفرة، فكثرة الخلق في تحركهم هذا تشبه الجفلة المفاجئة بعد سكون طويل.
 
الحجاج يبيتون اليوم بمنى (الجزيرة نت)
ويوم التروية هو يوم الثامن من ذي الحجة، أي اليوم الذي يسبق يوم عرفة، ويقال إنه سمي بهذا لأن نبي الله إبراهيم عليه السلام تروى فيه متفكرا في رؤيا ذبح ابنه إسماعيل، ويقول المفسرون إن أبا الأنبياء لما رأى أنه يؤمر بذبح ابنه تروى، فهو ابنه الوحيد وهي رؤيا وليست وحيا، والذبح سيكون بيده.
 
أما يوم عرفة فلأنه عرف أنه ملزم بذبح ابنه في عرفة، أو لأن جبريل كان يسأل إبراهيم وهو يعلمه كيفية الحج في ذلك الموضع: عرفت فيقول: عرفت.
 
فسمي المكان عرفة، وقال آخرون إن المكان سمي عرفة لأن الحجاج يعرفون فيه ربهم في آخر ما شرع لهم من أركان، فكلهم عرفات.
 
وأما مزدلفة فهي موضع قرب منى خرج منه إبراهيم عليه السلام مزدلفا أي مسرعا خوفا من وسوسة الشيطان له، فحين تبدى له الشيطان ثلاث مرات في مواضع الجمرات الثلاث ليثنيه عن طاعة ربه خاف إبراهيم أن يظهر له الشيطان من جديد فمر بالمكان مسرعا.
 
وأما الرجم فهو تكرار لرجم إبراهيم عليه السلام للشيطان في ذلك الموضع لطرده والتخلص من وساوسه.
 
وأما النحر فهو استحضار لاستسلام نبي الله إبراهيم لأمر ربه حين عرف أن عليه أن يذبح ابنه ولاستسلام إسماعيل للأمر "إذ قال لأبيه يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" فلما تحقق منهما الاستسلام الكامل لأمر الله هبط الوحي في ذلك اليوم مفديا إسماعيل بكبش عظيم ذبحه إبراهيم بدلا من ابنه فصارت سنة.
 
وأما طواف الإفاضة فلأن الحاج يأتي به بعد دفعه أي خروجه من منى إلى مكة. وأما طواف الوداع فلأنه وداع لمكة ويفضل أن يكون آخر فعل الحاج بمكة.

والحج مرتبط في معظمه بأبي الأنبياء إبراهيم وقصته مع ولده إسماعيل، فالسعي تكرار لسعي هاجر أم إسماعيل بين جبلي الصفا والمروة وهي خائفة على ولدها الرضيع من الهلاك بسبب العطش، وزمزم هو البئر التي تفجرت تحت قدم الرضيع.
 
وحين تنقضي أيام الحج تعود مكة إلى طبيعتها ولا يعود الرجم عبادة ولا المبيت في منى واجبا ولا عرفة موقفا تغسل فيه ذنوب الخلق.

المصدر : الجزيرة