عمر بن عامر الدغيس فقد عينه جراء التعذيب (الجزيرة نت)
 
مدين ديرية-بريطانيا
 
تحدث اللاجئ السياسي في بريطانيا والمعتقل الليبي السابق في غوانتانامو عمر بن عامر الدغيس عن اعتقاله في أفغانستان وعن سنوات السجن التي قضاها في غوانتانامو والمرارة التي عاشها وواجه خلالها التعذيب الجسدي والنفسي، والمعاملة المذلة والقاسية في السجن، وفيما يلي نص المقابلة:

 

لنبدأ بالسؤال عن سبب وجودك في باكستان وأفغانستان قبل اعتقالك؟
 
سافرت إلى باكستان لاستيراد فواكه مجففة لحساب شركات بريطانية وفي نفس الوقت حبا للاستطلاع وزيارة منطقة شرق آسيا وللترويح عن النفس بعد عام شاق من الدراسة، وخلال وجودي في باكستان عملت متطوعا في منظمات إنسانية للإغاثة في أفغانستان ومن ضمنها منظمات بريطانية.
 

لنتحدث عن عملية الاعتقال كيف حدثت وما نوع التهم التي وجهت لك؟
 
اعتقلت في عام 2002 في لاهور بباكستان بعد أن طوقت قوات كبيرة من الشرطة الباكستانية منزلي واقتحموا المنزل عندما كنت أداعب طفلي الصغير سليمان وابن أخت زوجتي ليفاجئونا جميعا بتسلق أسوار حديقة المنزل واقتحامه وهم يشهرون الأسلحة طالبين مني أن أسلم سلاحي، وأعلمتهم أني لا أملك سلاحا، وأننا نملك جوازات سفر عليها تأشيرات، فطلبوا مني الصمت أو تكسير جمجمتي، ثم قيدوني وربطوا عيناي واقتادوني إلى مركز شرطة في لاهور وسرقوا ذهب زوجتي وساعتي وأموالا أرسلتها لي عائلتي من بريطانيا من أجل العودة إلى هناك.
 
"
الدغيس: أمضيت في سجن بغرام شهرين وتوفي الكثير من المعتقلين تحت التعذيب وهذا المعتقل بالذات كان في الحقيقة نسخة من معتقلات شبيهة تماما بمعتقلات النازية التي كنا نشاهدها في الأفلام بما فيها الكشافات شديدة الإضاءة والأسلاك الشائكة، وكنا لا نستطيع النوم في الليل ولا في النهار من شدت ضوء الكشافات والبرد القارس وصراخ الحراس

"
وبعد ذلك أرسلت إلى سجن لاهور، ومكثت لمدت شهر بدون ملابس وأغطية تقي من البرد، وعذبت لمدة ثلاثة أيام من قبل الباكستانيين، والتقيت بسجناء عرب، فيما حضر وفد أميركي، وسألونا بعض الأسئلة والتقطوا لنا بعض الصور ليستجوبني بعد ذلك وفد من المخابرات الليبية، وتم نقلي إلى سجن المخابرات في إسلام آباد، وخضعنا للتعذيب من جديد، ووجدت هناك أيضا مجموعات من المعتقلين العرب في حين كان وفد من المخابرات الأميركية (سي آي أي) موجودا حيث كان الوفد يقرر من ينقل إلى غوانتانامو ومن ينقل إلى سجون مجهولة.
 
بعد ذلك نقلوا جميع من كان في المعتقل إلى أحد المطارات بالقرب من سجن إسلام آباد وفي المطار تم تسليمنا إلى جنود أميركيين ومن ثم نقلنا إلى قاعدة بغرام الأميركية في أفغانستان، وهناك اشتد التعذيب من قبل الجنود والمخابرات الأميركية وتوفي الكثير من المعتقلين تحت التعذيب، وكانت الأسئلة تدور حول حياتي منذ ولادتي حتى وجودي في بريطانيا وباكستان وأفغانستان، وأثناء التحقيق معي قالوا لا نعلم أي شيء عنك ولكن سوف يأتي قريبا عنك تقرير من باكستان فيما حضر وفد من المخابرات البريطانية لاستجوابي وواجهوني بتهم كثيرة.
 
أمضيت في سجن بغرام شهرين، وهذا السجن بالذات كان في الحقيقة نسخة من معتقلات شبيهة تماما بمعتقلات النازية التي كنا نشاهدها في الأفلام. وهناك أشخاص نقلوا إلى سجون مجهولة، منها شخص التقيته في سجن إسلام آباد يسمى خالد الشيخ البلوشي يقال إن الإمارات سلمته لباكستان، ونقل لسجن غير معروف، ومثال آخر، معتقل سوري أصيب بالرصاص، كان معنا في المعتقل أخذه الباكستانيون بعد منتصف الليل ولم يعد.
 
وشخص يحمل الجنسية الإيطالية ومتزوج من إيطالية يسمى عبد الملك، هدده الأميركيون أمامي بالقتل وتسليمه إلى المغرب إذا لم يتراجع عن بعض  اعترافاته التي كان قد أدلى بها في سجون باكستان، وهذا الرجل عذب كثيرا وفقد الوعي حتى اعتقدوا أنه مات.
 

كيف كانت تجربتك في غوانتانامو؟
 
الكثير من وسائل الإعلام نشرت معلومات عن هذا السجن وقد أصبحت معروفة للجميع ولا تخفى عليكم، ومن الذي لم ينشر أو ينتبه إليه الناس أنه قتل لنا  زملاء في المعتقل مثل ياسر الزهراني والسعودي مانع العتيبي واليمني محمد صالح الأبي وأبو طلحة العامري وغيرهم وجميعهم حفظوا القران وهم من أفضل المعتقلين أخلاقا ورجولة، وكان الأميركيون يغتاظون منهم كانوا شعراء وكانوا ينشدون أناشيد، ولهم ولعائلاتهم مكانة في بلدانهم، بالإضافة إلى أن الكثير من المعتقلين بترت أطراف لهم وعندي تقرير تفصيلي عن الأسماء والأرقام وأمراضهم، وحقن الأميركيون بعض المعتقلين الآخرين بحقن تسببت في أمراض دائمة مثل السرطان توفي بسببها بعضهم، ولدي تفاصيل إضافية سوف تنشر بالوقت المناسب ناهيك عن الاعتداء على أعراض بعض المعتقلين منهم أربعة في سجن بغرام وغيره، كما حدثت تحرشات جنسية كثيرة بمعتقلين في غوانتانامو تمت بواسطة مجندات ومحققات كانوا يقومون بتحرشات جنسية بالمعتقلين خاصة صغار السن.
 
وتعرضت -ومعي الكثير من زملائي في الأسر- لصنوف التعذيب منها كسر العظام، وأحدهم كسرت جمجمته أثناء التحقيق معه وفقد بعضهم البصر خلال التعذيب، وفقدت عيني اليمنى.
 
ومارس الحراس والمحققون حربا نفسية بحق المعتقلين تمثلت في شتم المصحف الشريف وسب الذات الإلهية وشتم الرسول صلى الله عليه وسلم،  ورمي المصاحف في دورات المياه والتعرض للمقدسات الإسلامية بكلمات نابية.
 
واستعملت أساليب أخرى في محاولة لكسر معنويات المعتقلين، منها استعمال صور أخوات المعتقلين ونسائهم التي أحضرها المحامون للمعتقلين دون إذن المعتقل بينما نقل المحامون تصريحات ادعوا أنها صادرة عن معتقلين ونشروها بالخارج ولخطورة هذه التصريحات نقوم بتصحيح التصريحات ونفيها إلا أن المحامين يعودون فينشرون تصريحات لم نقلها، ويهدف هذا الإجراء لتصوير المعتقلين على أنهم جبناء وجهلة ومتحمسون لا مبدأ لهم  وتشويههم أمام مجتمعاتهم وعائلاتهم، لذا أنصح جميع ذوي السجناء في غوانتانامو أو في غيرها من السجون الأميركية بأن يكونوا على حذر بوضع الثقة في محلها الذي أمر الله به، ولا يكونوا عونا للأميركيين على أبنائهم في أذيتهم، خاصة أن هذه الأمور النفسية أشد أثرا على السجين مما يحل به من عذاب جسدي.

كيف كنت تمضي وقتك داخل المعتقل؟
 
أمضيت وقتي في الحفظ والمراجعة والأذكار والرياضة البدنية، ورغم أن المكان ضيق جدا لكننا كنا نحاول أن نتصل ببعضنا البعض رغم أنني كنت معظم فترة اعتقالي في العزل الانفرادي، وكنا نتحادث بصعوبة شاقة من تحت شقوق الأبواب، ومن خلال التهويات على الرغم من صعوبات توصيل الصوت والإزعاج المتواصل من قبل الحراس الذين كانوا يضعون المراوح التي تصدر أصواتا مزعجة حتى يمنعونا من التواصل خاصة في أوقات الصلاة، حيث تتعالى صيحاتهم بشكل مقصود للتشويش على صلاتنا.
 
"
الدغيس: من الحقائق غير المتوقعة أبدا في التعذيب أن الأطباء كانوا يشاركون في عمليات التعذيب، فحتى الأدوية كانت تُستعمل وسيلة ضغط في الاستجواب

"
ومن الحقائق غير المتوقعة أبدا في التعذيب أن الأطباء كانوا يشاركون في عمليات التعذيب، فحتى الأدوية كانت تُستعمل وسيلة ضغط في الاستجواب، وأجريت عمليات جراحية مؤلمة لمعتقلين بدون مخدر بتواطؤ من الأطباء، ولم أتصور أن طبيبا يصل لهذه الدرجة من الانحطاط وخيانة شرف المهنة.
 
واستخدم الأطباء والممرضات أساليب أخرى تمثلت في محاولة توزيع المخدرات على المعتقلين.
 
متى أفرج عنك وكيف استقبلت قرار الإفراج عنك؟
 
يوم الإفراج كان يوما عاديا، وتم في ديسمبر/كانون الأول العام الماضي، فقد قاموا بالتحقيق معي ولم  يخبروني أنه سوف يتم الإفراج عني لينقلوني إلى قسم رقم واحد في غوانتانامو، وكان هناك المضربون عن الطعام.
 
وضعوني داخل قفص وكان بجانبي قفص لجميل البنا المقيم في بريطانيا، وأخبرني أنه قابل المحامي قبل ساعات، وأعلمه أنه سوف يتم الإفراج عنا وعن عبد النور سميور.
 
وسعادتي كانت لا توصف إذ لم أكن أتوقع الإفراج، ثم أقلتنا طائرة أميركية   خاصة إلى بريطانيا، وعلى متنها طبيب بريطاني وفصيل من الشرطة والمخابرات البريطانية، وممثل عن وزارة الخارجة، وممثل عن السفارة البريطانية في واشنطن قام بمفاوضات لإطلاق سراحنا.
 
عند هبوط الطائرة ظننا أن هذه نهاية المأساة، وإذا بالمسؤولين الذين رافقونا  يصافحوننا بحرارة لنفاجأ بسيارة شرطة توقفت عند سلم الطائرة، وصعد أحدهم إلينا ليخبرنا أنه ممثل عن قسم الهجرة بوزارة الداخلية، وأننا الآن بدون أوراق قانونية للإقامة في بريطانيا، بعد أن سحبت وزارة الداخلية جميع الأوراق الخاصة بإقامتنا في بريطانيا.
 
ولم تنته رحلة العذاب هذه، فقد تم اعتقالنا من قبل شرطة مكافحة الإرهاب  البريطانية في قضايا تتعلق بالإرهاب.
 
وفي اليوم التالي حضرت محاميتي عمليات التحقيق ليتم إعلامنا أن تهم الإرهاب قد سقطت عنا، وسوف يتم الإفراج عنا ليخبرونا مرة أخرى أن هناك مذكرة تسليم بحقنا صادرة من إسبانيا بتهم الإرهاب حيث كانت لي زيارة سابقة لإسبانيا.
 
قامت محاميتي بجهود كبيرة إلى جانب منظمات الضغط البريطانية التي نظمت الاحتجاجات والمظاهرات أمام السفارة الإسبانية ليتم الإفراج عني بكفالة لحين موعد المحاكمة، ثم قررت المحكمة البريطانية عدم تسليمي إلى إسبانيا، وبعد الإفراج عني وضع على رجلي طوق مراقبة إلكتروني لشهور.
 
وفي نهاية اللقاء أؤكد أمرا خطيرا يشغل بالي كثيرا، وهو أنه منذ خروجي من السجن هناك معتقلون من ليبيا وتونس خاصة وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية سوف تشكل خطرا على حياتهم، وقد عاد بعض الليبيين والتونسيين، وما زالوا إلى الآن في معتقلات بلادهم.
 
وفي حالة إغلاق سجن غوانتانامو ندعو الدول والهيئات أن تستضيف هؤلاء أيضا، وأنبه على قضية ابن الشيخ الليبي الفاخري الذي يقبع في السجون الليبية منذ فترة طويلة بعد تعذيبه في مصر وتسليمه إلى ليبيا ليموت داخل السجن وتنتهي معه قصة اعترافات كولن باول وجره للحرب العراقية بسبب تصريحات كان قد أدلى بها الفاخري وغيره من الليبيين المعتقلين الذين سلموا للنظام الليبي من قبل أميركا.
 
بقي أن نقول إن عمر ينتظر قرار الهجرة بوزارة الداخلية حول حق الإقامة ببريطانيا.

المصدر : الجزيرة