تعدد مشارب الحجيج ومواطنهم يزيد مواجهة "الغلو" صعوبة (الجزيرة نت)

محمد داود-مكة المكرمة

زحف "شماغه" (غطاء الرأس للرجل) حتى منتصف رأسه وهو يصيح بأعلى صوته وسط الزحام الكبير للمتدافعين "يا حاجة إنت عربية تفهمين عربي يعني، رسول الله ما كان يتمسح بالزجاج والحديد"، التقط أنفاسه قليلا وهو يرفع يديه بعصبية ويأس "رسول الله ما كان يدعو إلا ربه عز وجل ما يصير تتوسلوا بالقبور".

كان الشاب السعودي واحدا من عدة شبان أحاطوا بمقام سيدنا إبراهيم في صحن الكعبة المشرفة لمنع الحجيج من التمسح والتوسل بالمقام. شاب آخر بلغ به الغضب مبلغه فدفع بعصبية تقترب من حدود القرف يدي حاج آخر حاول لمس الزجاج ثم نفخ "أوووف".

كان الشبان يلتصقون بالمقام وآخرون يقفون قرب الركن اليماني، ومجموعة ثالثة قرب الحجر الأسود، المجموعة الأخيرة كانت تكتفي بتنظيم الزحام ومنع التدافع وحث الحجيج على المضي بعد لمس الحجر أو تقبيله فتلك سنة، أما الآخرون فكانوا يقاومون ميلا قويا لدى بعض الحجيج "للتبرك" و"التمسح" بالمقام والركن.

مجموعة الشبان هذه تتبع رئاسة الحرم وهي تسعى جاهدة لمنع الحجيج والزوار من "الغلو"، أو أن تأخذهم عاطفتهم الدينية إلى ارتكاب "أفعال ليست من الدين في شيء" كما يقول أحد الدعاة السعوديين.

والمجموعة وإن انحصرت مهمتها داخل الحرم فإن مجموعات أخرى توزعت على المواقع التي يرتادها الزوار ويرون فيها مزارات ذات خصوصية. وتتبع تلك المجموعات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويقول مدير فرع الهيئة في مكة المكرمة -الشيخ أحمد الغامدي- إن الهيئة أقامت ستة مراكز في موسم الحج فوق جبل النور حيث غار حراء مقر تعبد النبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعث، وآخر قرب جبل ثور حيث غار ثور، وثالث قرب مكتبة المولد النبوي حيث يعتقد أنها تقوم على موقع البيت الذي شهد ولادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومقار أخرى تتوزع قرب مقابر وحتى على جبل عرفات.

مقبرة شهداء غزوة أحد وخلفها جبل أحد  (الجزيرة نت)
أصوات المرشدين
قرب المزارات في مكة المكرمة والمدينة المنورة ترتفع أصوات مرشدين لكنها هنا خلافا لكل المزارات والآثار في العالم لا تذكر مآثر من دفنوا هنا، بل تؤكد المرة تلو الأخرى أنهم بشر دفنوا هنا وهم على فضلهم في السبق لنصرة الإسلام لا يملكون من أمرهم شيئا، ناهيك عن أن يتمكنوا من غوث من يطلب غوثهم.

لا هدايا تذكارية ولا منحوتات يمكن أن يصحبها الزائر لتخليد ذكرى زيارته، فتلك كلها بدع لا يجوز إتيانها كما يصر الغامدي وغيره من علماء الدين في العربية السعودية.

وحوادث "المتحمسين" المغالين في طلب الطاعة كثيرة ومتنوعة فقد تعرى حاج من ملابسه فوق جبل ثور ثم بدأ يتمرغ بالتراب، ويقول مسؤول في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن اتصالا ورد للهيئة بشأنه، ويضيف وصل بعض زملائنا ففر منهم وهو عار تماما إلى قرب منحدر "خشينا أن يسقط فيهلك" فطلب موظفو الهيئة عون رجال الدفاع المدني الذين ارتقوا الجبل من ناحية المنحدر غير أنه فر من جديد "بعد مشقة استطاع الإخوة الإمساك به وتغطيته وإخراجه من المكان".

حاج آخر كان يأكل التراب طلبا للبركة كما يقول مسؤول الهيئة نفسه.

تعدد مشارب الحجيج ومواطنهم يزيد الأمر صعوبة، يقول الغامدي "البعض يستمعون للنصائح بينما يوجه بعض المرشدين حجاج حملاتهم إلى تجاهل تحذيراتنا"، ويضيف بأسف "هذه قناعاتهم".

قرب الركن اليماني للكعبة صعد رجل على أكتاف رفاقه واحتضن الجدار ثم بدأ يتمسح بالجدار بعصبية أو حماسة، وعلى بعد خطوات منه شرطي يصيح "ما يصير ياحاج إنزل إنزل الله يهديك"، لم ينزل الحاج ولم ينجح الشرطي بالوصول إليه بسبب الزحام وبعد لحظات اكتفى الحاج من التبرك بجدار الكعبة فنزل.

المصدر : الجزيرة