أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة والكمالية هي الأيديولوجيا الرسمية للدولة (الفرنسية-أرشيف)

يبجل الأتراك مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة وباني مجتمع تركيا في القرن العشرين، ولكن اندلعت مؤخرا أزمة بسبب فيلم وثائقي تعرضه دور السينما منذ الأسبوع الماضي حول مؤسس الكمالية المذهب الأيديولوجي للدولة التركية.
 
ويعد "مصطفى" أول فيلم تركي يناقش الحياة الشخصية للزعيم الذي تعلق صوره بوجهه الصارم على المباني العامة في أنحاء البلاد. ولقد أخرج الفيلم كان دونار الذي يعد من أهم صانعي الأفلام الوثائقية.

والفيلم الوثائقي الذي يحمل اسم أتاتورك أيام الطفولة لا يكسر أيا من المحرمات، ولكنه يعرض للرجل إنسانا صعب المراس كثير الشرب سوداويا، شعر بازدياد أنه منعزل عن البلد التي أوجدها وهو الرجل الذي كتب "تذكروني" على هامش آخر خطبة عامة ألقاها.
 
ويقول المخرج دونار في مقابلة هاتفية إنه أراد تقديم أتاتورك بصورة "أكثر حميمية وعلى ضوء المحبة"، ويضيف "جميع هذه التماثيل، والتماثيل النصفية والأعلام أوجدت رئيسا خاليا من الصفات البشرية".

ولكن الفيلم الذي شاهده نحو نصف مليون في الأيام الخمسة الأولى أثار إعجاب البعض وواجه أيضا انتقادات حادة. ويقول الكاتب الصحافي إسرافيل كمباسار "أتاتورك الذي أنشأ شعبا يوشك أن يستأصل من تاريخ العالم، وهنا يقدم بوصفه فاسقا سكيرا". 
 
"
بعض العلمانيين المتشددين يرون الفيلم جزءا من مؤامرة مدعومة من الغرب لإضعاف الجيش الكمالي في تركيا
"
مؤامرة غربية

أما بعض العلمانيين المتشددين فيذهبون إلى أبعد من ذلك، فهم يرون الفيلم جزءا من مؤامرة مدعومة من الغرب لإضعاف الجيش الكمالي في تركيا الذي يقف في وجه خطط مزعومة تسعى لإغراق العلمانية التركية لصالح "الإسلام المستنير".

ويقول الكاتب الصحافي في صحيفة "فاتان" العلمانية جيت بولوت إن الولايات المتحدة "عاملت جنودنا مثل معاملة المجرمين العاديين في العراق"، في إشارة إلى قيام القوات الأميركية عام 2003 باعتقال جنود أتراك، ويضيف بولوت "هذا الفيلم هو جزء من الإستراتيجية نفسها".

واختتم بولوت مقالا كتبه في الصحيفة بمناشدة القراء ألا يشاهدوا ذلك الفيلم، ودعا إلى ثني الآخرين عن مشاهدته، والأهم ألا يسمح "لبذور التقليل من شأن أتاتورك أن تنبت في عقول أطفالكم".

وفي تطور لاحق، أعلن طبيبان أنهما سيقاضيان صاحب الفيلم لأنه أظهر أتاتورك وهو يدخن، ذلك أن إظهار مؤسس الدولة الحديثة "اعتاد تدخين ثلاث علب سجائر ونصف في اليوم أمر يسيء إلى صورته علاوة على أنه غير قانوني، لقد تركنا نفكر فيما إذا كان ذلك دعاية للتدخين فعلا".

تأثيرات سلبية
تماثيل أتاتورك تملأ المدن التركية
(الفرنسية-أرشيف)
ويبدو أن مهاجمة الفيلم كانت لها تأثيرات سلبية، حيث ألغت مدارس كثيرة نيتها أخذ الطلاب لمشاهدة الفيلم خوفا من أنه يحوي أيديولوجيا غير مناسبة.
 
ولكن يبدو أن ردود الفعل هذه ليست مستغربة بالنسبة لمضمون الفيلم نفسه الذي يشير إلى أن عبادة شخصية أتاتورك قد بدأت في حياته عبر بناء التماثيل، ثم تعززت بعد رحيله عام 1938 وقد تسارعت عبادته خصوصا بعد الانقلاب العسكري عام 1980.

وما زالت حتى الآن إهانة أتاتورك تعد جريمة يحاسب عليها القانون في بلد يؤبد فيه الدستور الكمالية بوصفها الأيديولوجية الرسمية للبلاد ويتحرك الجيش كلما احتاج الأمر للدفاع عن تلك الأيديولوجيا.

وتنقسم الآراء حول تأثير الفيلم في تركيا، ويبرز نقاش حول أحقية الشعب التركي بالتخلص من إرث الجيش الانقلابي وإظهار يوميات أتاتورك للعلن كي يقرؤها الناس ويعرفونه عن قرب. وترى آراء أن الفيلم بعث الحياة في أتاتورك نفسه.

وترى الكاتبة إيبك كاليسار -التي حوكمت سابقا بتهمة إهانة أتاتورك- أنها جريمة أن يمنع الناس من معرفة مؤسس الدولة من خلال كلماته الخاصة.
 
لكنها تعرب عن بالغ قلقها إزاء طريقة المناقشات التي تدور حول الفيلم الوثائقي وتقول "الناس يشعرون بالغضب، الأمر مخيف، وهذا ليس مناخا يفضي إلى نقاشات منطقية".

المصدر : إندبندنت