وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري والسفير الأميركي رايان كروكر يوقعان الاتفاقية (الفرنسية)

حاوره وليد الزبيدي-بيروت

وصف الكاتب والمفكر العراقي د. عبد الحسين شعبان -رئيس المركز الوثائقي للقانون الدولي الإنساني- الاتفاقية الامنية العراقية الأميركية، بأنها بين طرفين غير متكافئين، أحدهما قوي ويستطيع أن يفرض شروطه، والآخر ضعيف ومضطر للإذعان، وبالتالي فإن المخاطر التي ستترتب على مثل هذه الاتفاقية ستكون كبيرة لا تتعلق بحاضر العراق فقط وإنما بمستقبله أيضا.

وفيما يلي نص المقابلة التي أجريت مع د. شعبان:
 
ما هي أبرز المخاطر التي تتضمنها أية اتفاقية أمنية في الظروف التي يعيشها العراق من الناحية القانونية؟

شعبان: قانونياً وواقعياً يعتبر العراق بلداً محتلاً حسب قواعد القانون الدولي المعاصر، واستناداً إلى ذلك فإن مركزه القانوني غير متكافئ لاسيما مع قوة عظمى.

فما بالك إذا كانت هي المحتلة، وهكذا ستكون هذه الاتفاقية بين طرفين غير متكافئين، أحدهما قوي ويستطيع أن يفرض شروطه، والآخر ضعيف ومضطر إلى الإذعان، وبالتالي فإن المخاطر التي ستترتب على مثل هذه الاتفاقية ستكون كبيرة لا تتعلق بحاضر العراق وإنما بمستقبله.

الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار عند أية صيغة للتعاقد الدولي، حيث سيكون مشوباً بأحد عيوب الرضا، وأعني بذلك الأرادة الحرّة، التي تشترطها اتفاقية فيينا حول "قانون المعاهدات" لعام 1969، التي تعتبر المعاهدة متكافئة إذا كانت بين طرفين متكافئين وتم توقيعها على أساس الإرادة الحرة وبعيداً عن الإكراه أو التدليس أو الغش، خصوصاً إذا كان موضوعها ينسجم مع قواعد القانون الدولي، لاسيما القواعد الآمرة والملزمة، كما تسمى باللاتينية Jus Cogens، أي الواجبة الأداء وغير القابلة للانتقاص.

إن أية معاهدة مثلما هي الاتفاقية المقترحة بين بغداد وواشنطن ستخل بمبادئ السيادة لاسيما للطرف الضعيف، باستثناء إذا قرر المحتل الانسحاب (بتغييرات في ميزان القوى) وعليه لا بدّ من اتفاقية تنظّم جدولة انسحابه وتضمن تنفيذ الاتفاقية بما يستجيب لإرادة الاستقلال والتحرير.
 
ما هي النقاط التي تحرص الأدارة الأميركية على ضمانها في هذه الاتفاقية؟

شعبان: إن أهم نقطة تحرص عليها الولايات المتحدة هي عدم تعريض جنودها للمساءلة القانونية من جانب القضاء العراقي، وهذه مسألة مركزية بالنسبة لواشنطن، وفي جميع الاتفاقيات التي وقعتها مع الدول الأجنبية، بما فيها التي لديها قوات عسكرية أو قواعد دائمة على أراضيها، استثنت قواتها من الخضوع للولاية القضائية الأجنبية وتعتبرها تمسّ مساساً كبيراً بسيادتها وولايتها على جنودها أينما كانوا وفي أي موقع خدموا.

وقد سعت واشنطن إلى عرقلة إبرام ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، العام 1998 لتعارضه مع توجهها السيادي، ببسط ولايتها القضائية على جنودها وعدم قبولها أية ولاية قضائية أجنبية عليهم، وعندما اقترب الميثاق من اكتمال العدد المقرر لدخوله حيز التنفيذ وقعت عليه واشنطن في اللحظات الاخيرة العام 2000، وسعت لإبعاد المساءلة القضائية الدولية سبع سنوات على الأقل في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وعند دخوله حيّز التنفيذ بتصديق ستين دولة (العام 2002) انسحبت الولايات المتحدة منه في خطوة غير مسبوقة وتشكل تحدياً لإرادة المجتمع الدولي وللعدالة الدولية، كل ذلك لأنها تحرص على عدم إخضاع جنودها لأية مساءلة قضائية دولية.

ولهذا فإن واشنطن تحرص في اتفاقيتها مع بغداد على ذلك، فيما يتعلق بأفراد القوات المسلحة والعنصر المدني المتعاقد معها، والشركات التي تعمل لحسابها، وتلك مسألة جوهرية. وبالتالي فهي لا تقبل بأية شروط لاسيما وهي الطرف المتحكّم والقوي.

أما الأمر الثاني فيتعلق بتمديد الاتفاقية أي ما بعد العام 2011 حيث تنتهي فيها مدّة بقاء القوات الأميركية في العراق، وهو الأمر الذي طالبت فيه بعض الكتل السياسية من داخل وخارج البرلمان، وهو مسألة مستقبلية تحاول بها ضمان بقائها في العراق تحت باب عدم تأهيل الجيش العراقي والحاجة إلى ضبط الأمن الداخلي ضد الإرهاب ومواجهة التهديد الخارجي لاسيما الإقليمي وغير ذلك.
 
هل يستطيع الجانب العراقي الحصول على ضمانات حقيقية؟

شعبان: الجانب العراقي مفكك ولا يوجد رأي موحد أو جامع حتى الآن ورغم أن الجدل يطول ويحتدم والمواقف تتقارب وتتباعد، لكن الجوهري في الأمر أن هناك ثلاثة اتجاهات أساسية تحكم الموقف العراقي وهي متعارضة وغير موحدة.

الأول وهو الموقف الرافض ويضم الكتلة الصدرية وهيئة علماء المسلمين والمؤتمر التأسيسي وقوى وشخصيات مختلفة ومتنوعة من اليسار والقوميين والاسلاميين وصولاً إلى قوى المقاومة المسلحة، ورغم أن هذه القوى مؤثرة ومؤهلة للضغط، لكنها لا تملك قرار التوقيع أو عدم التوقيع على الاتفاقية.

أما الموقف الثاني فهو القوى الممانعة مبدئياً أو تكتيكياً، وهذه تتثمل بكتلة الائتلاف وجبهة التوافق بالدرجة الأساسية، وهي محكومة بضغوط داخلية وخارجية، ومعها قوى أخرى تتذبذب بين الرفض والممانعة، لأسباب شعبية أو إقليمية أو تأثيرات دولية.

أما الموقف الثالث فهو الذي يتمثل بموقف القيادات الكردية أساساً، ومع قوى لا تعبّر صراحة عن تأييدها الواضح، مثلما تفعل الحركة الكردية، وتحاول أن تظهر شيئاً من الممانعة، لكنها في الوقت نفسه تدعو للموافقة والتوقيع تحت باب الواقعية السياسية، وهذه القوى تتمثل بكتلة الدكتور إياد علاوي والحزب الشيوعي وغيرها.

 شعبان: الجانب العراقي مفكك ولا يوجد رأي موحد أو جامع حتى الآن (الجزيرة نت)
وإذا عدنا لمشروع الاتفاقية التي تنشر لأول مرة، وقد بذلت جهوداً مضنية مع جهات رسمية وغير رسمية للاطلاع على نصها فلم أفلح، حتى حصلت مؤخراً على النص الذي عرض للمناقشة المحدودة، وهو يتضمن إضافة إلى مشروع الأتفاقية حول ما سمي "الوجود المؤقت للقوات الأميركية في العراق"، رسالة من الرئيس بوش إلى رئيس الوزراء المالكي واتفاق الإطار الإستراتيجي لعلاقة صداقة بين العراق والولايات المتحدة.

احتوت الاتفاقية على ديباجة و31 مادة وأكدت الديباجة أهداف الاتفاقية ولخصتها بتعزيز الأمن المشترك والمساهمة في السلم والاستقرار الدوليين ومحاربة الإرهاب والتعاون في مجالات الأمن والدفاع وردع التهديدات الموّجه ضد سيادة وأمن العراق ووحدة أراضيه.

وتضمن عدد منها المبادئ التي أكدت على السيادة والتفاهم والتعاون المشترك وعدم الإضرار بسيادة العراق على أرضه ومياهه وأجوائه، كما أكدت أن البلدين شريكان ذوا سيادة ومستقلان ومتكافئان.

وإذا ما أردنا إخضاع هذه المبادئ والأهداف التي احتوتها الاتفاقية للقانون الدولي الاتفاقي والعرفي ولمعاهدة فيينا، فسنلاحظ شكلياً أنها حاولت إيجاد نوع من التوافق معها، لاسيما التأكيد على السيادة والاستقلال والتكافؤ والأهداف التي تنسجم مع ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر.
 
 لكن من الناحية العملية أعفت الاتفاقية أفراد القوات المسلحة الأميركية وأفراد العنصر المدني كما أسمته من الخضوع للولاية القضائية العراقية، رغم أنها دعت إلى التزامهم باحترام القوانين والأعراف والتقاليد والمواثيق العراقية.
 
لكن ماذا لو لم يلتزم هؤلاء، الأمر الذي سيعفيهم من المساءلة أمام المحاكم العراقية، وهذا إخلال أساسي بصيغة المعاهدات المتكافئة؟

شعبان: لا شك أن عنصر الإكراه واضح، وتجلى ذلك بابتزازات وتهديدات الإدارة الأميركية فيما إذا لم توقّع الحكومة العراقية على الاتفاقية، فإنها ستسحب دعمها ومساعداتها، خصوصاً لحماية العراق من التهديدات الخارجية والداخلية، الأمر الذي يدخل في أحد عيوب الرضا والإرادة الحرة بالتوقيع على الاتفاقية ويصنّفها في عداد الاتفاقيات المفروضة والإكراهية.

أما بخصوص حق الدفاع عن النفس، الذي أعطته الاتفاقية للقوات الأميركية فيمكن تبريره بالحرب الوقائية أو الاستباقية، ولعل قصف منطقة البوكمال السورية مؤخراً، لم يكن سوى نموذج، إضافة إلى ما قامت به القوات الأميركية في اليمن والباكستان وكلها أدرجتها في إطار الحرب الوقائية لمكافحة الإرهاب الدولي.

أما بشأن المدنيين فإن ما حصل في العراق وأفغانستان كان أقرب إلى العقوبات الجماعية ضد السكان المدنيين، وهو ما يمكن اعتباره جريمة حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ومثل هذه الاتفاقية تعفي هؤلاء من أية مساءلة، لاسيما إذا دخلت ضمن "حق الدفاع عن النفس".

أما الكلام الإنشائي حول أن العمليات تنفّذ تماشياً مع السيادة أو المصلحة الوطنية فهو كلام غير قانوني وغير ملزم، لأن الحكومة العراقية لا يحق لها تقديم أفراد القوات المسلحة الأميركية إلى القضاء.

وأعطت المادة 12 الحق للولايات المتحدة في إنفاذ القانون على أفراد قواتها وأسمته العنصر المدني بشأن الجنايات الجسيمة والمتعمدة (البيئة، الصحة، السلامة البشرية، المادة الثامنة) ويسلم العراق أفراد القوات والعنصر المدني إلى القوات الأميركية عندما يمارس ولايته القضائية، ويجوز لإحدى السلطتين الطلب من الطرف الآخر التخلي عن حقه الرئيسي في الولاية القضائية لحساب الطرف الآخر، وبالطبع فإن الضعيف سيتخلى للقوي عن ذلك.

"
أما بخصوص حق الدفاع عن النفس، الذي أعطته الاتفاقية للقوات الأميركية فيمكن تبريره بالحرب الوقائية أو الاستباقية، ولعل قصف منطقة البوكمال السورية مؤخراً، لم يكن سوى نموذج

"
وأعطت الاتفاقية الحق لأفراد القوات المسلحة والعنصر المدني في تطبيق الإجراءات القانونية والحمائية المكفولة بموجب الدستور الأميركي والقوانين الأميركية، حتى إذا كانوا تحت الولاية القضائية العراقية.

وأجازت الاتفاقية لحكومة العراق (استناداً إلى تقييم الأحوال) الطلب من الولايات المتحدة إبقاء قوات معينة لأغراض التدريب ومساندة قوات الأمن العراقية. وسوف تطبق اتفاقية خاصة يتم التفاوض بشأنها والتوقيع عليها من قبل الطرفين، أو طلب الحكومة العراقية تمديد الفترة المحددة، ومثل هذا الأمر سيكون عامل أبتزاز جديد تفرض من خلالها واشنطن ما تريد في إطار اتفاقية غير متكافئة.
 
ما هو البديل من الناحية القانونية للاتفاقية الأمنية؟

شعبان: هناك بديل مؤقت وبديل إستراتيجي، البديل الموقت يتكون من عنصرين الأول يتعلق برفض التوقيع، وهنا لا بدّ من توفر إرادة سياسية كاملة واستعدادات كافية لمواجهة جميع الاحتمالات، وبتقديري أن مثل هذا الأمر غير متوفر في الوقت الحاضر، لاسيما اللوحة المتناقضة داخل الحكومة العراقية ناهيكم عن علاقاتها السيئة مع المقاومة. والثاني، الطلب من مجلس الأمن تمديد القرار لستة أشهر على أن تحل الأمم المتحدة وقواتها محل القوات المتعددة الجنسية لمدة عام مثلاً.

أما البديل الإستراتيجي فيتمثل بتحقيق مصالحة وطنية حقيقية وإعادة النظر بالعملية السياسية بكاملها والاستعداد لرفض الاتفاقية، وهذا سيعني تحدياً للولايات المتحدة واستعداداً للمواجهة وقدرة على تجاوز الذاتي نحو الموضوعي وتقديم العام على الخاص لاستعادة السيادة والاستقلال الوطنيين المجروحين.
 
ما هي النقاط القانونية التي ستفرضها لو قبلت بصياغة اتفاقية أمنية مع القوات الأميركية؟

شعبان: لو قبلت وضع نص أو مشروع اتفاقية ما، فلا بدّ لها أن تضمن شيئاً أساسياً وهو إعلان الانسحاب العاجل للقوات المحتلة من العراق وتنظيم خطة لتأمين ذلك، في أسرع وقت ممكن، وتأمين إشراف دولي نزيه على إجراء انتخابات حرة ونزيهة على أساس المواطنة وتحريم المحاصصات الطائفية والإثنية.
 
ويمكن للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، المساهمة في انتقال الوضع انسيابياً إلى من سيحظى بتأييد صناديق الاقتراع على أساس عقد اجتماعي سياسي جديد يحرّم استخدام العنف أو حمل السلاح أو التمييز المذهبي والإثني ويعتمد مبادئ الشفافية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

المصدر : الجزيرة