نخيل العراق تناقص من 30 مليون إلى ستة ملايين (الجزيرة نت)

فاضل مشعل-بغداد

أوقعت الحروب التي خاضها العراق خلال العقود الثلاثة الماضية وما زالت نتائجها المريرة ماثلة أمام الأعين حتى الآن أكثر من مليون قتيل وضعف هذا العدد من الجرحى، كما تسببت في موت ملايين الأشجار جراء حملة البحث عن الدفء أو تحت ثقل آلات الحرب ومدافعها الثقيلة وما أملته ضرورات الكر والفر بين الجنود في تلك الحروب.

ويقول المهندس الزراعي حسن عبود المدير في وزارة الزراعة للجزيرة نت إنه على طول الطريق الذي يلتف حول بغداد من الجنوب والشرق وهو الطريق الذي تسلكه الحافلات القادمة من جنوب البلاد ومن الغرب حيث الطريق الذي يمر بالرمادي نحو سوريا والأردن والشمال حيث الطريق نحو مدن كردستان، كانت الفؤوس تهوي على كل ما هو أخضر وينهش الصغار والكبار والنسوة جذوع النخيل وأشجار البرتقال، فيما راح آخرون يحطمون أشجار "اليوكالبتوس" العملاقة التي كانت تشكل مصدات ضد الرياح الصيفية التي تهب من الصحراء نحو مدينة بغداد.

ويضيف المهندس عبود أن العراق فقد أيضا الملايين من أشجار النخيل، فبعد أن كان يضم حتى عقود قريبة نحو 30 مليون نخلة تناقصت تلك الأعداد لتصل حاليا إلى نحو ستة ملايين فقط، وذلك لأسباب تبدأ بالتوسع العمراني وتنتهي بالحروب التي خلفت أكبر المجازر للنخيل في تاريخ العراق الذي يعتبر أول بلد خلد النخلة كما جاء في مسلة حمورابي قبل خمسة آلاف عام.



مآسي الحروب
وفي جنوب العراق الذي يعتبر موطن النخيل في العالم تناقصت غابات النخيل التي يسقيها مد شط العرب ليلا لينسحب عبر مئات الجداول الصغيرة نهارا في جنوب البصرة إلى حد كبير، بل إن غابات منها أبيدت كليا عندما تحولت إلى ساحة معركة إبان الحرب العراقية الإيرانية في أكبر كارثة تعرض لها نخيل العراق الذي ينتج أكثر من 450 نوعا من أفخر أنواع التمور.

"
مئات الآلاف من الناس يقلعون جذور الأشجار ولا يكتفون بقطع بعض أغصانها، وهو ما أدى إلى موت عشرات الآلاف من الأشجار وجعل مداخل العاصمة العراقية تتخلى عن الحزام الأخضر الذي كان يلفها
"

ويلخص المختص بالتشجير في أمانة بغداد عبد الرسول حسين الأسباب التي تقف وراء أكبر حملة لإعدام الأشجار في العراق، بالقول إن "ملايين الأشجار اقتلعت بطرق متخلفة عندما لم يجد الناس وسيلة سواها لطهي الطعام أو للوقاية من البرد القارس خلال اشتداد موجات حرب المدن التي انعدمت فيها فرصة الحصول على وقود الطهي والتدفئة، حيث قام مئات الآلاف من الناس بقلع جذور الأشجار دون الاكتفاء بقطع بعض الأغصان، مما أدى إلى موت عشرات الآلاف من الأشجار وجعل مداخل العاصمة العراقية تتخلى عن الحزام الأخضر الذي كان يلفها".

وكانت بغداد مدينة أشجار كثيفة -حسب أستاذ مادة التاريخ في كلية الآداب بجامعة بغداد الدكتور حاتم وهيب- عكس ما هي عليه الآن، حيث زحف عليها التصحر من كل صوب.

ويضيف الدكتور وهيب أنه حين قرر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور إقامة عاصمة لدولته المترامية الأطراف في القرن الثاني الهجري, اختار موقعا وصفه المؤرخون بأنه شديد السواد, تتشابك فيه عروق الشجر ويجري فيه ماء زلال من الشمال إلى الجنوب ويختفي فيه الفارس بين نخيل من كل نوع ولا تضرب فيه شمس الظهيرة, وتتدلى فيه عذوق الأعناب ويتلألأ فيه التفاح مثل نجمة الصبح, وفيه برتقال ورمان دان القطوف فكان هذا الموقع هو المدينة المدورة, أو دار السلام (بغداد)، كما يصفها الخطيب البغدادي.

المصدر : الجزيرة