بوابة قصر خان سراي في القرم (الجزيرة نت)

محمد صفوان جولاقأوكرانيا

تعتبر استعادة الممتلكات الدينية والأثرية والخاصة بالنسبة للتتار المسلمين في أوكرانيا من أكبر القضايا الحساسة المتعلقة بهم في شتى أرجاء المدن وخاصة في إقليم شبه جزيرة القرم الجنوبي التي يعيش فيها نحو نصف مليون تتاري.

وقد تعرض مئات الآلاف من سكان هذا الإقليم للتهجير قسرا على يد الزعيم السوفياتي ستالين عام 1944 إلى دول شرق آسيا وشمال روسيا، الذي قام بهدم وتخريب العديد من المساجد والمنازل والمؤسسات التتارية، وبمصادرة الأراضي منهم وتوزيعها على طبقة من كانوا يعرفون بالعمال الكادحين من عرق السلافيان (سكان البلاد الأصليين).

مشوار المطالبة باستعادة الممتلكات بالنسبة لتتار القرم بدأ منذ استقلال البلاد عام 1991، وما زال مستمرا حتى يومنا هذا دون وجود أي أفق لحل عادل قريب، الأمر الذي دفع بعشرات الألوف منهم للعيش مجبرين في الجبال والقرى ضعيفة المستويات الخدمية بعيدا عن بيوتهم الأصلية في المدن التابعة للإقليم.

وتعد القصور والمساجد التاريخية والقلاع من أبرز الممتلكات التي يطالب بها تتار القرم، إضافة إلى الأراضي والبيوت الخاصة بهم، وذلك لأنهم يعتبرونها جزءا من تاريخهم وهويتهم، وموروثا ثقافيا لا يمكن التفريط فيه أو نسيانه.

الإطلالة الجميلة الخلابة على البحر الأسود والغابات المحيطة بعدد من هذه القصور والمساجد والقلاع الواقعة على سفوح الجبال حولت العشرات منها إلى متاحف ومقاهي ونواد ليلية يحرص السياح وزوار المنطقة على زيارتها ودخولها والتقاط الصور التذكارية فيها، لجمال بنائها الذي لا تغيب عنه مسحات الفن الإسلامي شكلا ونقشا وكتابة.

قلعة أثرية على سفح جبل يطل على البحر الأسود (الجزيرة نت)

تاريخ القصور
وتختلف الروايات بشأن تاريخ هذه القصور والمساجد والقلاع ومن أشهرها قصر خان سراي (أكبر قصور القرم) الذي كان بمثابة قصر الولاية العثمانية في الإقليم، ويحتوي على قاعة كبيرة للضيافة ومسجد ومقبرة وحدائق وينابيع عديدة، تبلغ مساحتها الأصلية نحو 18 هكتارا (أحرق وخرب معظمها لتبقى منها أربعة هكتارات فقط).

ومن أشهرها أيضا جامع أوزبك خان الذي بني عام 1314م ويعد من أقدم مساجد أوروبا، ويشابه إلى حد كبير الجامع الأموي في دمشق.

ويعرف الدليل السياحي هذه المواقع على أنها كانت بادئ الأمر عبارة عن كنائس مسيحية وقصور تابعة للقياصرة في العصور الوسطى، في حين يؤكد التتار على أنها لم تكن أبدا كذلك، بل بناها المسلمون الذين استوطنوا الإقليم منذ مئات السنين وارتبط تاريخهم بعصر الخلافة العثمانية التي امتدت حدودها إليه، مستدلين على روايتهم بوجود كنائس ضخمة تاريخية مجاورة لمساجدهم وقصورهم أيضا، لم تهدم ولم تمس بأي سوء.

السيدة ليليا مسلموفا الناطقة باسم المجلس القومي لشعب تتار القرم الحزب السياسي الوحيد الممثل لتتار القرم في البلاد قالت في حديث مع الجزيرة نت "نحن نشعر برغبة حكومة العاصمة الحالية بحل يعيد لنا حقوقنا، وذلك لأنها تعلم جيدا أن تتار القرم عنوان وحدة واستقرار وانتماء صادق في الإقليم.

وأشارت إلى أن من أكبر التحديات التي تعيق هذا الحل تملك آخرين وغالبيتهم روس لممتلكات التتار بشكل موثق إبان الحقبة السوفياتية، في حين أتلفت الكثير من الوثائق الثبوتية المتعلقة بملكية التتار لها بعيد تهجيرهم، وهنا يجدر ذكر أن "موسكو أيضا تضغط على كييف لعرقلة خروجها بحل في هذا الشأن للحفاظ على وجودها في الإقليم".

وأكدت أن الاستقرار لن يتحقق في القرم إلا بحل عادل يعيد للتتار ما سلب منهم عنوة وباطلا، مشيرة إلى أن العديد من المطالب قدمت لجميع الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال دون جدوى، لكن الأمل ما زال قائما بالوصول يوما ما إلى نتيجة إيجابية بهذا الشأن.

يذكر أن التتار المسلمين يشكلون نحو 20% من إجمالي عدد السكان في إقليم القرم، في حين يشكل الروس فيه قرابة 40%، وهم يتوزعون أيضا على شتى أرجاء المدن الأوكرانية وخاصة في إقليم الدونباس الشرقي المتاخم لروسيا.

المصدر : الجزيرة