القصار: لبنان ملاذ آمن من الأزمة المالية الدولية
آخر تحديث: 2008/10/21 الساعة 19:19 (مكة المكرمة) الموافق 1429/10/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/10/21 الساعة 19:19 (مكة المكرمة) الموافق 1429/10/22 هـ

القصار: لبنان ملاذ آمن من الأزمة المالية الدولية

عدنان القصار دعا إلى إغناء مناخ الاستثمار في لبنان (الجزيرة نت)
نقولا طعمة-بيروت
أكد وزير الاقتصاد اللبناني السابق والرئيس الحالي لمجلس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية عدنان القصار ضرورة العمل على ترسيخ عوامل النمو في لبنان من خلال تعزيز الاستقرار السياسي والمضي قدما في تطبيق الإصلاحات الضرورية، و"هي أمور أساسية لاستقطاب الاستثمارات التي نشهد حاليا بداية توجهها إلى لبنان كملاذ آمن من الأزمة المالية الدولية الراهنة".
 
ودعا القصار في حديث للجزيرة نت إلى إغناء مناخ الاستثمار في لبنان وترشيد الإنفاق الحكومي وتفعيل برامج الخصخصة.
 
فإلى نص الحوار:
 
onsole
كيف يوصف الوضع المالي في لبنان في ظل الأزمة المالية العالمية؟
الوضع المالي في لبنان سليم جدا ولم يتأثر بالأزمة المالية العالمية بل استفاد منها بدليل توجه الودائع باتجاهه بوتيرة تصاعدية. وهذا على خلفية تمتع لبنان بالعديد من نقاط القوة التي تعزز من مناعة وضعه المالي. وتدل المؤشرات المالية على أن الموجودات الخارجية بالعملات الصعبة لمصرف لبنان المركزي ارتفعت إلى رقم قياسي يقارب 18 مليار دولار.
 
كما بلغت قاعدة الودائع المصرفية ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، فيما سجل ميزان المدفوعات فائضا تجاوز المليار ونصف المليار دولار حتى نهاية يوليو/تموز 2008. فقد تجاوزت المؤشرات الأساسية للقطاع المصرفي اللبناني معظم الأرقام القياسية التي تحققت في السنوات الست الماضية، ونتوقع أن يزيد حجم القطاع المصرفي بنسب تتعدى 20% بنهاية عام 2008، بعدما وصلت الموجودات الإجمالية لدى المصارف إلى 90 مليار دولار، دون احتساب كامل الميزانيات العائدة للوحدة المصرفية الخارجية.
 
وحاليا هناك استقرار نسبي في الفوائد اليومية بين المصارف، فضلا عن الطلب المرتفع على شراء سندات الخزينة بالليرة اللبنانية، مما أدى بدوره إلى استقرار وتطور سندات الدولة بالعملة الأجنبية.
 
وما نحتاجه اليوم بالفعل هو العمل على ترسيخ عوامل النمو من خلال تعزيز الاستقرار السياسي، والمضي قدما فـي تطبيق الإصلاحات الضرورية، وأبرزها البرنامج الإصلاحي  لـ"باريس 3". وتلك أمور أساسية لكي نستطيع أن نستقطب مزيدا من الاستثمارات التي نشهد حاليا بداية توجهها إلى لبنان كملاذ آمن من الأزمة المالية الدولية الراهنة. كما نحتاج أيضا إلى مجموعة من الإجراءات السريعة في كل من المجالات التالية:

- إغناء مناخ الاستثمار في لبنان وتمكين القطاع الخاص للاستثمار من القيام بدوره كاملاً في عملية النمو والتنمية، وبالأخص ما يوفر فرص عمل جديدة في السوق المحلية، وكذلك لاحتواء أي عودة للكفاءات البشرية اللبنانية من الخارج.

- ترشيد الإنفاق الحكومي وتعزيز جباية الإيرادات المختلفة.

- تفعيل برامج الخصخصة تعزيزا للحركة الاقتصادية ولدور القطاع الخاص وتوفير مزيد من الإيرادات للخزينة.
 
ما انعكاس الأزمة العالمية على وضع المصارف اللبنانية؟
على الرغم من الصدمة المالية في الأسواق الدولية فإن لبنان أثبت حصانة عالية تجاه الأزمة الراهنة، بل إن الانعكاسات على المصارف اللبنانية جاءت إيجابية إلى حد كبير، فيما تأثير الأزمة على البلاد العربية محدود جدا.
 
"
السياسة المحافظة لمصرف لبنان المركزي وسلسلة التدابير والقيود التي وضعها على التسليفات والاستثمارات المصرفية أقوى من السابق، حيث اشترطت نسبا عالية من السيولة الإلزامية ومستويات مرتفعة من الأمان تجاه المخاطر، فضلا عن الرقابة المستمرة التي واكبت مختلف الأوضاع والتقلبات التي مر بها لبنان ونجحت في كل مرة في الخروج بالقطاع المصرفي
"
ومن الناحية العملية، فإن النظام المصرفي اللبناني يتمتع بمناعة عالية جدا بحسب المقاييس الدولية، خاصة أن هذا القطاع عريق جدا واختبر تجارب عديدة لعبت دورا هاما في صقل الصناعة المصرفية في لبنان وتعزيز مناعتها تجاه المخاطر. ثم إن الظروف الجيوسياسية التي يعيشها لبنان منذ فترة قد فرضت على النظام المصرفي اللبناني والمصارف اللبنانية التحسب لكافة أنواع المخاطر وإدارة أعمالها ومحافظها المالية بأعلى درجة من الملاءة والكفاءة. كما أن هناك جملة من العوامل التي نأت بلبنان عن المصاعب التي تعاني منها مؤسسات مالية عديدة في مختلف أنحاء العالم وزادت من حصانته تجاهها، ومن أهمها ما يلي:

- نمو القطاع المصرفي في لبنان مؤخرا وتمكنه من تحقيق تراكم مهم في معدلات الأرباح خلال العامين الماضيين.

- السياسة المحافظة لمصرف لبنان المركزي وسلسلة التدابير والقيود التي وضعها على التسليفات والاستثمارات المصرفية، والتي اشترطت نسبا عالية من السيولة الإلزامية ومستويات مرتفعة من الأمان تجاه المخاطر، فضلا عن الرقابة المستمرة التي واكبت مختلف الأوضاع والتقلبات التي مر بها لبنان ونجحت في كل مرة في الخروج بالقطاع المصرفي أقوى من السابق.

- تركز توجه قاعدة المحافظ والتسليف المصرفي في لبنان إلى داخل الاقتصاد اللبناني، حيث حوالي 50% من محافظ التسليف ترجع إلى تمويل ديون الدولة اللبنانية، بينما 25% منها يوجه لتمويل تسليفات القطاع الخاص المحلي. وعموما فإن استثمارات المصارف اللبنانية في التوظيفات الخارجية ضئيلة ومتواضعة نظرا لتوفر فرص التوظيف المجزي في السوق المحلي. وحتى المصارف التي سجلت مؤخرا توسعا وانتشارا خارج البلاد، فإنها اتجهت إلى البلاد العربية الشقيقة وعززت حضورها على المستوى العربي الإقليمي الشامل.
 
- تبين التجربة الدولية الحالية أن الاستثمار في لبنان أضمن بكثير من الاستثمار في أي من المصارف التي كانت في السابق تتمتع بتصنيفات ائتمانية عالية وإيجابية.
 
وزير المالية محمد شطح طمأن اللبنانيين بشأن الوضع المالي، كيف تفسرون هذه المفارقة: وضع مالي مطمئن، وأزمة اقتصادية كبيرة وديون تصل إلى 50 مليار دولار؟
أوافق معالي الوزير على سلامة الوضع المالي، وأوافقه بالنسبة إلى وجود أزمة اقتصادية كبيرة في لبنان. بالطبع أسباب هذه الأزمة باتت معروفة وواضحة للجميع. ففي الأسباب هناك بعض الأزمات ذات الصلة بطبيعة التطورات، مثل أزمة الغلاء وأزمة البطالة، كما هناك أزمات الإدارة المستفحلة مثل أزمة العجز في إيرادات الكهرباء، والتي لا بد من معالجتها، إلى جانب الديون التي يتكبدها الاقتصاد اللبناني والتي تراكمت بسبب المخاطر غير الاقتصادية المعروفة التي تعرض لها لبنان على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن.

إن الدين العام الإجمالي اللبناني بلغ حوالي 44.7 مليار دولار. وإن غالبية هذا الدين مركزة في الداخل اللبناني، مما يحمل دلالات استقرار كبيرة للمرحلة الحالية والمقبلة في ظل الأزمة المالية العالمية. ومع أن هذا الدين يتوزع مناصفة بين العملات الأجنبية بنسبة 50% والنصف الآخر لليرة اللبنانية، فإن غالبية الدين تتركز في سندات الخزينة اللبنانية، في ظل تزايد لافت لحصة المصارف اللبنانية في تمويل عجز الدولة.
 
أما بالنسبة إلى الديون بالعملات الأجنبية فتتوزع على سندات يورو بوند بشكل أساسي، ومعظمها مع المصارف اللبنانية، فيما تقدر القروض الخارجية بنسبة 12% فقط. كما من المرجح أن يشهد لبنان مزيدا من الإقبال على الاستثمار في سندات الخزينة للدولة اللبنانية. ولا شك أن التوظيف في هذين المجالين يعد ملاذا مناسبا ويشكل نافذة أمل مهمة جدا لاستثمارات اللبنانيين والعرب وحتى المستثمرين الأجانب. 

والحلول باتت معروفة وقد ذكرت بعضا منها في جوابي على السؤال السابق. وفي اعتقادي لدينا فرصة هامة اليوم للمضي بمزيد من الإصلاحات لتثبيت الاستقرار على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية وزيادة معدلات النمو والتي من الممكن وصولها في العام 2009 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي إلى 6% بما يساعد في تقليص عبء الدين العام والانطلاق قدما لتعزيز موقع لبنان الاقتصادي على المستويين العربي والعالمي.

وأنا متفائل جدا بمستقبل لبنان. وهناك تفاهم عميق وتعاون وثيق بين قيادات القطاع الخاص اللبناني والقيادات الرسمية، كما أن عوامل الثقة بلبنان تتعزز يوما بعد يوم. وفي اعتقادي الشخصي أن الثقة هي أهم عامل من عوامل الاستقرار والنمو المالي والاقتصادي. والاقتصاد اللبناني يستند إلى نظام اقتصادي حرّ وثابت ويتمتع بالمرتكزات الضرورية للحرية الاقتصادية، بما فيه حرية حركة رأس المال ونظام الصرف الحر، إلى الاحتياطي من الذهب الذي يوفر غطاء نفسيا مهما في كافة الظروف. وجميع هذه الأمور محترمة في لبنان ويكفلها الدستور والأعراف، ولا تمس بأي شكل من الأشكال.
 
ونعول على الرصيد الغني من الثقة الذي بنيناه بعد أن اجتزنا مراحل صعبة مرّت بنا، فقمنا بإدارة أمورنا المالية بأقل المخاطر الممكنة وبأعلى مستوى من الشفافية، وسيكون هذا الرصيد هو الثروة الحقيقية للبنان في المرحلة القادمة بإذن الله.
المصدر : الجزيرة