الخبيرة الاقتصادية الدكتورة هبة حندوسة (الجزيرة نت) 
 
حاورها/عبد الحافظ الصاوي
 
بعد وقوع أحداث الأزمة المالية العالمية توارى بعض الليبراليين العرب، وطالب بعضهم الآخر بمراجعة شاملة لمنهجية اقتصاد السوق، وتأييد وجود دور أكبر للدولة في النشاط الاقتصادي.
 
وتوقع بعضهم تراجع النظام الرأسمالي لصالح النظم المختلطة أو وجود نظام اقتصادي جديد يواكب احتياجات المرحلة المقبلة.
 
إلا أن للخبيرة الاقتصادية المصرية الدكتورة هبة حندوسة رأي آخر وهي التي تشغل منصب خبيرة اقتصادية دولية في عدد من المؤسسات الدولية، وأيضا النائبة السابقة لرئيس الجامعة الأميركية بالقاهرة.
 
وتعتقد حندوسة بمتانة النظام الرأسمالي، وأنه النظام السائد على مدار القرن القادم على الأقل. والحوار التالي للجزيرة نت مع الدكتورة هبة حندوسة تضمن العديد من الآراء المخالفة لما هو سائد من آراء الاقتصاديين في عدد من القضايا.

تتوالى التداعيات السلبية للأزمة المالية العالمية، فما هو السيناريو الذي تتوقعينه لنهاية هذه التداعيات؟

"
 أفريقيا التي تضم أكبر عدد من الدول الأشد فقرا في العالم، ستتأثر من حيث تراجع معدلات النمو، بسبب حالة الركود المنتظر وقوعها بسبب هذه الأزمة، والتي من المتوقع أن تستمر لثلاث سنوات قادمة
"
للأسف الاهتمام منصب بشكل أساسي على الأضرار الواقعة على الدول المتقدمة، وقلما يتم الإشارة إلى الدول الأشد فقرا، والتي ستتضرر بشكل كبير من الأزمة، ففي الوقت الذي أنفقت فيه تريليونات الدولارات لشراء أصول المؤسسات المالية من قبل الغرب، نجد أن هناك تقتيرا شديدا بشأن مشكلات الدول الأشد فقرا في الجهود المبذولة مثلا لمواجهة أزمة الغذاء ومواجهة الفقر، فمنظمة الفاو أعلنت في يونيو/حزيران الماضي عن احتياجها لنحو 12 مليار دولار لمواجهة أزمة الغذاء ولم تحصل إلا على نحو مليار دولار فقط.

ومن جانب آخر ستتأثر أفريقيا التي تضم أكبر عدد من الدول الأشد فقرا في العالم، من حيث تراجع معدلات النمو، بسبب حالة الركود المنتظر وقوعها بسبب هذه الأزمة، والتي من المتوقع أن تستمر لثلاث سنوات قادمة.
 
فتقرير "اقتصاد أفريقيا 2008" الذي أعلن عنه في 16 الشهر الجاري أشار إلى أن نحو ثلاثين من 56 دولة أفريقية حققت معدل نمو فاق نسبة 5% العام الماضي.
 
ولا شك أن هذه المعدلات ستتراجع بسبب أن صادراتها في الغالب من المواد الأولية، والتي ستتأثر بالسالب من حيث الكميات المصدرة أو انخفاض أسعارها بسبب حالة الركود. فلا توجد عدالة في الاهتمامات بالآثار السلبية الواقعة على كل من البلدان المتقدمة والنامية، وبالتالي التداعيات السلبية ستظهر بوضوح في مستقبل الاقتصادات الفقيرة.
 
في ظل ما أسفرت عنه الأزمة المالية العالمية من سقوط مدو للنظام المالي العالمي، هل تعتقدين أن النظام الرأسمالي كان مجرد وهما؟

ما حدث ليس سقوطا للنظام الرأسمالي، ولكنه مجموعة من الأخطاء التي ارتكبت، من ناحية إدارة المؤسسات المالية، والمؤسسات المعنية بالرقابة، فأدت إلى هذه النتائج.

ففي ظل فجوة كبيرة بين الإدارة والملكية، أصبح هم المعنيين بالإدارة الحصول على أرباح ومكافآت ومرتبات عالية، على حساب أصحاب الملكية، حتى وإن كان ذلك عبر معلومات مضللة.
 
وسوف تتبلور حلول هذه المشكلات من خلال وضع إجراءات تؤدي للشفافية بالتعاملات الاقتصادية والمالية، وكذلك إحكام الرقابة على العمليات الحسابية والتقويم للأوضاع المالية. وكذلك الحد من المضاربات في سوق الأوراق المالية حتى تكون البورصات معبرة بحق عن أداء الشركات.

ومن الضروري وجود رقابة حازمة على أداء الشركات متعددة الجنسية، والمناطق الاقتصادية الحرة (الأوف شور) والتي تمرر من خلالها أنشطة غسيل الأموال والمضاربات على أسعار الفائدة والسلع وخلافه.

ومن الأخطاء الكبيرة التي أدت إلى تفاقم الأزمة التصرف الأميركي الذي سمح بإفلاس بنك ليمان براذرز ووجود حالة هلع في البورصات العالمية، فهذا التصرف لم يكن عقابا للقائمين على أمر إدارة البنك كما أعلن في أميركا ولكن كان عقابا لحملة الأسهم والنظام المالي العالمي بكامله.

أما ما يثار عن تراجع دور الدولة في الاقتصاد، فهذا غير صحيح فما تم هو نوع من أنواع المعالجة للأزمة، وليس أيدلوجية أو إستراتيجية. ولكنه بمثابة تكتيك للعلاج، وسرعان ما ستخرج الدول الغربية من ملكية المؤسسات التي أممتها أو شاركت في ملكية بعض حصص رأسمالها، وتطرحها مرة أخرى للأفراد وللقطاع الخاص.
 
ستسفر الأزمة المالية العالمية عن نموذج اقتصادي بعد انتهاء الأزمة، فما هي ملامح هذا النموذج؟

هذا الكلام غير صحيح، الرأسمالية ستبقى معنا على الأقل قرنا آخر من الزمن، ولا توجد مخاوف على مستقبلها في هذه الأزمة، فالرأسمالية نظام اقتصادي قوى جدا. انظر إلى النتائج الإيجابية التي تحققت للدول النامية في ظل العولمة الاقتصادية والتي بدأت منذ عقدين من الزمن فقط، وأتاحت هذا الكم الكبير من الاستثمارات والتكنولوجيا وحركة التجارة العالمية، وإنعاش عمليات الصادرات.
 
فهل كانت الصين تستطيع أن تخرج من عصر المجاعات إلى هذا النمو الهائل والقضاء على معدلات الفقر بنحو 50% بعيداً عن الرأسمالية؟

فحتى الأدوات التي تسببت في الأزمة مثل الرهن العقاري أو بطاقات الائتمان أو غيرها، ليس المطلوب إلغاؤها أو الانصراف عنها، لأنها هي التي تؤدي إلى الادخار، فمعدلات الادخار العالية التي تصل لنحو 40% أو 48% في البلدان الآسيوية مثل الصين وكوريا والجنوبية، لا تعود كما يروج البعض لثقافة هذه البلدان وسلوكها الادخاري فقط، ولكن السبب الأهم هو أن وسائل الادخار والائتمان ميسورة وسهلة. وهو ما يجب أن نعمل على تحقيقه في بلداننا العربية. فهذه الأدوات تحتاج فقط إلى تطبيقها بشكل سليم وليس إلغاؤها كما يطالب البعض.
 
يتوقع كثيرون تغيرا في خريطة موازين القوى الاقتصادية العالمية، فما هي الملامح الجديدة لهذه الخريطة؟

سيتراجع الدور الأميركي، لصالح مجموعة دول مثل اليابان والصين والاتحاد الأوروبي، ولكن دفة هذا النظام ستؤول للاتحاد الأوروبي، وليس للصين كما يظن البعض.
 
فالمقومات الاقتصادية والمبادرة من قبل الاتحاد الأوروبي تؤهله للقيام بهذا الدور، أما الصين أو اليابان فسيكون أداؤهم قويا ومؤثرا في الاقتصاد العالمي، ولكن لن يرقى للأخذ بزمام ريادة هذا النظام. ويظهر هذا الدور من خلال معالجة الاتحاد الأوروبي للأزمة من حيث التنسيق الذي حدث بين دوله لأساليب مواجهة الأزمة.
 
تنازعت المنطقة العربية مشروعات اقتصادية إقليمية خلال الفترة الماضية، وهي الأورو-متوسطية والشرق أوسطية، فما هو مصير هذه المشروعات في ظل الأزمة المالية العالمية وتداعياتها؟

المشروع الأول والخاص بالأورو-متوسطية، سيستمر بلا توقف لاعتبارات سياسية واقتصادية، فالاتحاد الأوروبي فرغ من استيعاب دول أوروبا الشرقية، وبقيت منطقة جنوب البحر المتوسط لتنال اهتمام الاتحاد الأوروبي، من خلال الاتفاقيات التي أبرمت والمعتمدة بشكل أساسي على شراكة شركات القطاع الخاص بالاتحاد الأوروبي للقطاعات الاقتصادية والصناعات في دول جنوب المتوسط.

ولكن المعوق لسرعة إنجاز هذا المشروع هو الروتين الأوروبي وليس تداعيات الأزمة المالية، فحالة الركود المنتظرة في الاقتصاد العالمي لن تزيد بأي حال من الأحوال عن ثلاث سنوات، ولن تغير من التوجهات الخاصة باقتصادات السوق للدول الأوروبية أو لمشروع الشراكة.

أما مشروع الشرق أوسطية فهو مشروع سياسي بالدرجة الأولى، وكان يستهدف اندماج إسرائيل في اقتصادات المنطقة، وخلق دور إقليمي لإسرائيل لا سيما على الصعيد الاقتصادي، ولكن في ضوء أمرين يمكن أن تحدث تغيرات أساسية في هذا المشروع. الأمر الأول هو هذا التراجع المنتظر للدول الأميركي في المنطقة سياسيا وعسكريا، وعلى الجانب الآخر فإن أوروبا لديها وجهة نظر مخالفة للتصور الأميركي لحل المشكلة الفلسطينية، وقد يصل طرفا الصراع إلى تسوية في ظل رعاية أوروبية. أما الأمر الثاني فهو ما ستسفر عنه الانتخابات الأميركية واحتمالات كبيرة بفوز الديمقراطيين، وأوباما لديه تعاطف لحل المشكلة الفلسطينية ويميل للحوار مع إيران، ومن هنا فقد تحدث تغيرات جذرية لمسارات مشروع الشرق أوسطية.
 
هل تتوقعين دورا اقتصاديا لإيران في المنطقة مستقبلا، خاصة وأنها لم تصب بأضرار من الأزمة المالية، ما يجعلها تحتفظ بحصتها من عائدات النفط العالية خلال الفترة الماضية، ويمكنها بالتالي توفير تمويل يفتقد إليه البعض؟

توفير عائدات النفط العالية لدى إيران، هذه حقيقة، وكذلك عدم تضررها من الأزمة المالية العالمية بسبب العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي المفروض عليها من قبل أميركا وبعض الدول الأوروبية، هذه حقيقية أخرى.

ولكن هناك عامل مؤثر لابد من معرفته وهو حجم إنفاق إيران على التسليح ونفقات الجيش، فقد يستنزف هذا الأمر عائدات النفط التي يُعول عليها لقيام إيران بدور اقتصادي في المنطقة.
 
فإيران تحصل على احتياجاتها من التسليح في ظل ظروف غير عادية وبالتالي فقد تحصل على السلاح بأسعار مبالغ فيها، وهذا بدوره يستنزف مواردها والتي يعتبر البترول عصبها أو موردها الوحيد.

وعلى المستوى الشخصي أنا أرحب بهذا الدور من قبل إيران واندماجها في الاقتصادات العربية، خاصة الفقيرة منها.   
 
يتحدث البعض عن أن الأزمة المالية مفتعلة، من أجل إهدار ثروة الصين، والحد من التهديدات التي فرضتها الصناديق السيادية لأمن أميركا القومي، فإلى أي حد تتفقين أو تختلفين مع هذا التوجه؟

لا أميل لتبني نظرية المؤامرة في تفسير الأحداث، فلدينا أزمة واضحة من حيث أسبابها، وتداعياتها، ويتم التعامل معها من خلال وسائل واضحة ومعلن عنها، ونلمس مدى الارتباك الذي أحدثته الأزمة للجميع. فالأضرار الواقعة أكبر من أن تكون أحداثا في ضوء المؤامرة التي يتحدث عنها البعض. 
 
الأزمة أصابت الدول الخليجية فيما يخص عائدات النفط والاستثمارات المودعة في أميركا والغرب، فهل ستغير هذه الدول وجهة استثماراتها في الفترة المقبلة؟

"
الدول الخليجية ارتكبت مجموعة من الأخطاء في الفترة الماضية من حيث التصرف في عائداتها المرتفعة من النفط، أولها تركيز هذه الثروة في الدولار فقط وربط سياستها النقدية بالدولار، بينما كان يجب أن ترتبط العملات المحلية بسلة عملات. وعلى الجانب الآخر ما يتعلق بالاستثمارات من حيث تركيزها المكاني في أميركا وأوروبا، ووجود النذر اليسير في المنطقة العربية
"
إذا ما استبعدنا النفط، فسنجد أن الأضرار الواقعة على البلدان العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص محدودة، لأن هذه الاقتصادات ليست مندمجة في الاقتصاد العالمي، ومقياس الاندماج هنا هو الصادرات مثلا، فماذا تصدر الدول العربية أو الخليجية لأميركا والغرب، بخلاف النفط، لا شيء. ولكن البلدان التي تضررت بشكل كبير هي التي اندمجت بشكل أكبر في العولمة مثل الصين، التي تمتلك حصة من الصادرات لكل من أميركا والاتحاد الأوروبي تجعلها تئن في ظل الأزمة وتداعياتها من الركود خلال الفترة المقبلة.

والدول الخليجية ارتكبت مجموعة من الأخطاء في الفترة الماضية من حيث التصرف في عائداتها المرتفعة من النفط، أولها تركيز هذه الثروة في الدولار فقط وربط سياستها النقدية بالدولار، بينما كان يجب أن ترتبط العملات المحلية بسلة عملات. وعلى الجانب الآخر ما يتعلق بالاستثمارات من حيث تركيزها المكاني في أميركا وأوروبا، ووجود النذر اليسير في المنطقة العربية.
 
وأرى أن الأفضل لهذه الاستثمارات أن تتجه للمنطقة العربية. فالدول العربية لديها ثمان دول نفطية، وأيضا لدينا ست دول تصنف على أنها من الدول الأقل نموا أو الأشد فقرا.
 
ويمثل الاستثمار في البنية الأساسية للدول العربية غير النفطية والأخرى الأشد فقرا مجالا خصبا للاستثمارات طويلة الأجل، والذي تحتاج إليه الدول النفطية، ويمثل هذا الاتجاه نقلة نوعية للدول النامية والفقيرة. فلو تحقق هذا السيناريو فسيكون في صالح الطرفين. ولكن هذا يتطلب تعلم الدرس من تجربة دول الاتحاد الأوروبي على الأقل في الأزمة المالية الأخيرة، حيث تم التنسيق بينها بشكل كبير، في حين أن هذا التنسيق مفتقد مثلا على صعيد البورصات الخليجية والمصرية، والتي لوحظ وجود علاقة قوية بينها في الفترة الماضية، ولكنها تفتقد إلى التنسيق في علاج الأزمة المالية.

المصدر : الجزيرة