محمد أعماري-الدوحة

برز "اقتتال طائفي" من نوع جديد في الأيام الأخيرة بين بعض المنتسبين للمذهبين السني والشيعي، غير أن الضحايا هذه المرة ليسوا بشرا، وساحة المبارزة ليست أسواقا ولا شوارع أو دور عبادة.

ضحايا موجة "الاقتتال" الجديدة عشرات من المواقع الإلكترونية التي دمرها قراصنة إنترنت ينتمون إلى الطرفين، في ما اعتبره متتبعون أكبر وأوسع عملية قرصنة معلوماتية من نوعها.

ارتدادات
وقد استهدفت موجة التدمير مواقع لعلماء ومراجع من الجهتين، مثل العالمين السعوديين الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ الراحل عبد العزيز بن باز، والمرجع الشيعي علي السيستاني، إضافة إلى حوالي ثلاثمائة موقع شيعي وحوالي تسع مائة موقع سني، وكذلك موقع العربية نت، حسب ما أوردته تقارير صحفية.

ولا يفصل المتتبعون هذا الصراع الدائر على الشبكة العنكبوتية عن ارتدادات التصريحات والتصريحات المضادة التي تبادلها علماء شيعة مع رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي في الأسابيع الأخيرة.

فقد اتهم علماء شيعة القرضاوي بـ"إثارة الفتنة والطائفية" بعدما صرح لصحيفة مصرية أن "الشيعة مبتدعون" وأنهم يسعون لـ"اختراق المجتمعات السنية" ونشر التشيع فيها، كما نشرت وكالة مهر الإيرانية مقالا قال فيه كاتبه إن كلام القرضاوي "سبق أن جاء على لسان حاخامات اليهود".

وما دام حكماء العالم الإسلامي وعلماؤه –حسب مدير شبكة مرصد العراق المعلوماتية صلاح التكمجي- دخلوا في مثل هذه السجالات والردود على صفحات وسائل الإعلام، فلا يمكن أن يستغرب مثل هذا الصراع على ساحة الإنترنت التي يعد أغلب روادها من الشباب المتحمسين.

عمل عبثي
وبدوره يرى أستاذ الإعلام والمحلل السياسي الدكتور سليمان الشمري أن هذا "الاحتقان الطائفي" تحول إلى مواقع الإنترنت لأنها وسائل ومجالات للتعبير توفر حرية أوسع، ويتسنى لمستعمليها قول ما لا يمكن قوله على الملأ، ويستطيعون أن يمرروا فيها ما لا يستطيعون بثه على الفضائيات أو غيرها من وسائل الإعلام.

فالإنترنت –يضيف الشمري في تصريح هاتفي للجزيرة نت- وسيلة إعلام لا يمكن فصلها عن باقي الوسائل، بل لا يمكن فصلها حتى عن باقي مناحي الحياة، لأنها أصبحت ساحة للصراع الفكري، وساحة فعالة للدعوة إلى الأفكار والمذاهب.

"
نتائج هذه الحملات الإلكترونية لا تقل سوءا في نظر المراقبين عن تلك الأحداث الطائفية التي تسيل فيها الدماء، ولئن كان تدمير المواقع الإلكترونية لا يرقى إلى بشاعة تدمير المساجد والحسينيات وإزهاق الأرواح، لكن إزهاق الأفكار هو أيضا صراع يفرق المسلمين ويغتبط له أعداؤهم
"
هذا الاختراق والتدمير الذي تعرضت له المواقع الإلكترونية هو في نظر أستاذ دراسة تكنولوجيا المعلومات في الجامعة اللبنانية الدكتور عماد البشير "عمل عبثي لا مبرر للجوء إليه"، ويتعارض مع مواثيق ومبادئ أخلاقية يجب احترامها في التعاطي مع المسائل الفكرية والثقافية.

ويؤكد أن الأصل في المواقع الإلكترونية أنها مساحات لحرية الرأي والتعبير، وأن مثل هذه التصرفات بحقها "تجعلنا أمام تحد كبير في ما يخص فهم النشر الإلكتروني وطبيعته ودور شبكة الإنترنت".

نتائج سيئة
ويضيف البشير في حديث للجزيرة نت أن هذه المواقع الإلكترونية هي في النهاية تعبر عن أفكار وآراء واجتهادات لا يجب فرضها على الناس، والمفروض فيها أن تتكامل وتتوحد في التصدي لقضايا تهدد مصالح ومصير ووحدة الأمة الإسلامية.

ولا يستبعد التكمجي أن تكون أياد خفية هي التي حركت هذه العملية، وتسببت في أفعال وردود فعل تطورت إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.

وتأسف في اتصال مع الجزيرة نت لكون الصراع السني الشيعي وصل إلى هذه النقطة، مشيرا إلى أن المفترض في هذه المواقع الإلكترونية أن يكمل بعضها بعضا.

ودعا إلى وضع حد لهذه القرصنات، خصوصا وأن كل موقع من هذه المواقع "لا شك يقف وراءه عقلاء وحكماء، ولو اتفقوا واستمع بعضهم لبعض فلا شك ستتوقف هذه الحرب الإلكترونية".

نتائج هذه الحملات الإلكترونية لا تقل سوءا في نظر المراقبين عن تلك الأحداث الطائفية التي تسيل فيها الدماء، ولئن كان تدمير المواقع الإلكترونية لا يرقى إلى بشاعة تدمير المساجد والحسينيات وإزهاق الأرواح، لكن إزهاق الأفكار هو أيضا صراع يفرق المسلمين ويغتبط له أعداؤهم.

المصدر : الجزيرة