أثبتت الظروف والتطورات مرة أخرى أن الأواصر الدينية والروحية التي تربط المغرب والسنغال على درجة من العمق بالقدر الذي يتجاوز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية التي تبقى عرضة للحسابات والمصالح المتقلبة.
 
فقد مرت العلاقات بين الرباط ودكار بأزمة دبلوماسية بلغت حد استدعاء كل طرف لسفيره لدى البلد الآخر لكن الروابط الدينية والصوفية التي تجمع الطرفين أثبتت مرة أخرى جدواها في إصلاح ما قد تفسده السياسة والمصالح الاقتصادية.
 
وتعود تلك الأزمة المفاجئة إلى 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي عندما استدعى المغرب سفيره من دكار احتجاجا على تصريحات لقيادي بالحزب الاشتراكي بشأن الصحراء الغربية، اعتبرتها الرباط انحيازا ودعما لجبهة البوليساريو التي تنازع المملكة في السيادة على الإقليم.
 
وقد ردت السنغال على الخطوة المغربية وفق مبدأ المعاملة بالمثل وأقدمت على سحب سفيرها من الرباط وذلك في تصعيد مفاجئ في ظل العلاقات المتميزة التي تربط البلدين.
 
الملك المغربي (يسار) في دكار رفقة الرئيس السنغالي (الفرنسية-أرشيف)
وفد ملكي

وقد بقيت العلاقات بين البلدين معلقة إلى أن شاءت الأقدار أن توافي المنية في 31 ديسمبر/كانون الأول سيرين سليلو إمباكي شيخ الطريقة المريدية، التي يعتبر أتباعها ملك المغرب قائدهم الروحي.
 
على إثر ذلك وجه الملك المغربي محمد السادس رسالة تعزية إلى جميع المريديين وأرسل للسنغال وفدا مكونا من المستشار الملكي عبد العزيز بلفقيه ووزير الأوقاف أحمد التوفيق وعضو الديوان الملكي محمد رشدي الشرايبي.
 
واعتبر الملك المغربي أن وفاة إمباكي ليست خسارة للطريقة المريدية وحدها، ولكنها خسارة للعلم والعلماء بكل من السنغال والمغرب، مشيرا إلى "العلاقات الروحية الوثيقة التي تمثل جوهر الأخوة التي توحد بين المغرب والسنغال".
 
وبعد أيام قليلة من زيارة الوفد الملكي للمريديين، عادت العلاقات الدبلوماسية بين الرباط ودكار إلى سابق عهدها في تطور يظهر أن الدين يستطيع أن يصلح ما تفسده السياسة أو الاقتصاد.
 
وتعتبر المريدية من أقوى الجماعات الدينية بالسنغال وأفريقيا الغربية. ويمثل شيخ الطريقة سلطة معنوية بالسنغال حيث يقصد كل الراغبين في المشاركة بالانتخابات مدينة طوبا عاصمة الطريقة ومركزها الروحي، وهو تقليد طبقه الرئيس السنغالي الحالي عبد الله واد أثناء حملته بالانتخابات الرئاسية.

"
عادل موساوي: العلاقات الروحية بين المغرب والطرق الصوفية بأفريقيا الغربية معطى جيد يصب في صالح المغرب، لكن عليه أن يستثمره بالقدر الكافي
"
علاقات تاريخية

ويعول المغرب كثيرا على علاقاته التاريخية الطويلة مع الطرق والزوايا الدينية الإسلامية ذات الامتدادات بأفريقيا، خاصة الغربية منها. وفي كل أزمة كانت تنشب وتحتد بينه وبين أحد بلدان أفريقيا الغربية كان المغرب يحرك دبلوماسية العمل الديني لتجاوز الخلافات السياسية أو الاقتصادية.
 
ويقيم المغرب علاقات متميزة مع تلك الزوايا وعلى رأسها التيجانية والمريدية، إذ يستقبل أفواجا كبيرة من الطريقتين في كل عام، كما يبعث بممثلين عنه في كل تجمع لإحدى الطائفتين، مصحوبين بتبرعات مالية وعينية كبيرة. وإلى جانب ذلك يعتبر علماء التيجانية والمريدية من ضيوف الملك الدائمين في رمضان من كل عام.
 
وهكذا تبقى العلاقات الروحية بين المغرب والطرق الصوفية بأفريقيا الغربية رافدا قويا في علاقات الرباط بدول المنطقة من شأنه أن يعزز تلك العلاقات ويحميها من تقلبات السياسة والمصالح الاقتصادية.
 
وفي السياق يقول الأستاذ عادل موساوي، المتخصص في العلاقات المغربية الأفريقية، بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن تلك العلاقات الروحية معطى جيد يصب في صالح المغرب، لكن عليه أن يستثمره بالقدر الكافي.

المصدر : الجزيرة