المبعدون الموريتانيون.. سعادة العودة وشقاء الذكريات
آخر تحديث: 2008/2/1 الساعة 00:50 (مكة المكرمة) الموافق 1429/1/25 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/2/1 الساعة 00:50 (مكة المكرمة) الموافق 1429/1/25 هـ

المبعدون الموريتانيون.. سعادة العودة وشقاء الذكريات

المبعدون الموريتانيون: عند ما تختلط "سعادة العودة" بشقاء الذكريات الأليمة

أمين محمد-روصو/ جنوب موريتانيا
 
سكب كثير من المبعدين الموريتانيين العائدين إلى بلدهم, دموع الفرح, وبدا التأثر واضحا على وجوههم عندما دخلوا وطنا أخرجوا منه قسرا بسبب انتماء عرقي, غير أن دموعا أخرى سالت حزنا وأسى، فيما اختلطت المشاعر لدى آخرين.
 
العائدة أفاتو صو قالت إنها لم تستطع السيطرة على مشاعرها حين انفجرت بالبكاء بين أحضان مستقبليها وذويها وهي تتذكر أفرادا من أسرتها فقدتهم في أتون الفتنة العرقية التي عاشتها موريتانيا والسنغال عام 1989 وعامي 1990 و1991 والتي قتل فيها مئات الزنوج الموريتانيين بدم بارد، فيما واجه المصير نفسه مئات الرعايا الموريتانيين في السنغال من ذوي البشرة البيضاء.
 
وحين تحدثت أفاتو للجزيرة نت بدا أن كل ما حولها يذكرها بالأيام الخوالي، فالأزقة ذاتها ومدينة روصو لا تزال على حالها حيث عاشت وتربت بين أبنائها وبيوتها حتى أطل ذلك الصباح الذي أبعدت فيه بالقوة عن أرض لا تعرف غيرها، إلى وطن معار يمكن أن يكون أي شيء سوى بديل عن الوطن الحقيقي.
 
لا يدري العائدون هل ستتمكن الأيام من محو الذكريات الأليمة (الجزيرة نت)
لا تدري أفاتو هل ستتمكن في الأيام المقبلة من نسيان تلك الذكريات الأليمة، وهي تعلم في قرارة نفسها أن بعضها على الأقل ليس بالإمكان نسيانه، لكنها على الأقل ستحاول التجلد والصبر كما فعلت في العقدين الماضيين.
 
أما ممدو سالفو صو فقد أبعد هو الآخر عام 1989 وعاش في مخيمات اللجوء شمالي السنغال، ويتذكر هو الآخر صورا قال إنها تشيب لهولها الولدان، فقد سفك دم اثنين من إخوته كما قتلت قريبة له، وتعرض باقي أفراد الأسرة للكثير من الشتائم والتقريع، قبل أن يرحلوا بصفة قسرية.
 
فاطمة جلو هي الأخرى وإن لم تذكر أن أحدا من أسرتها قتل إلا أنها أكدت تعرضها للسب والشتم والتوبيخ  قبل ترحيلها إلى الضفة الأخرى, لكن أكثر ما أثر فيها أنها شاهدت إحدى السيدات تموت على نقطة العبور أسى وحسرة على أحباء فقدتهم في تلك الأعمال الشيطانية, كما تصفها.
 
سيدة أخرى تساءلت وهي تتحدث للصحافة وقلبها يعتصر ألما "من ذا الذي بإمكانه أن يشكك في وطنيتنا، لا قبيلة في موريتانيا إلا وأعرفها، الشيطان وحده هو من دفعهم إلى إخراجنا من ديارنا".
 
ممدو سالفو صو أبعد عام 1989 وعاش في مخيمات اللجوء شمالي السنغال (الجزيرة نت) 
آخرون أيضا تحدثوا للجزيرة نت عن صور مآس ومعاناة تعرضوا لها أثناء عمليات الترحيل، وقال أغلبهم إنه كان يتم تمزيق كل أوراقهم الثبوتية أمامهم، وأحيانا يتم إشعال النيران فيها، ويقال لهم بشكل واضح إن هدف ذلك ألا يعودوا أبدا إلى موريتانيا، وألا يحتفظوا بأي إثباتات مهما كان نوعها.
 
غير أن آخرين تحدثوا بمرارة عن أن جيلا جديدا من أبناء العائدين قد ولد وكبر في المنفى طيلة السنوات العشرين الماضية، وبعضهم اليوم يعود إلى وطنه ولم تكتحل عيناه برؤيته في السابق, إن هي إلا ذكريات من المرارات والمظالم يسمع عنها ويتربى عليها، وهو ما يجعل علاقته بالوطن من نوع خاص.
 
وتبقى الصورة التي حاول العائدون أن يؤكدوها للجميع "رغم المظالم والعذابات نحن شاكرون وممتنون، وراغبون في طي أظلم صفحة من تاريخنا، فهل من معين؟".


المصدر : الجزيرة