منظر عام لموقع أوغاريت الأثري (الجزيرة نت)
 
 
تعتبر سوريا مهد حضارات قديمة نشأت وترعرعت في مختلف مدنها وأبرزت تنوعا ثقافيا أغنى الحضارة الإنسانية، ومن أهم مواقع تلك الحضارات أوغاريت التي قدمت للعالم أقدم أبجدياته.  
 
وتقع أوغاريت في منطقة تدعى رأس شمرة شمال مدينة اللاذقية على الساحل السوري حيث تمتد على هضبة تصل مساحتها إلى 36 هكتاراً، وعرفت بهذا الاسم نسبة لنبتة عطرة تعرف بـ"الشمرة" تغطي آثار الموقع الذي اكتشف عام 1928 إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا.

  

أقدم أبجدية

تحتل أوغاريت موقعا هاما على الخريطة الأثرية السورية نظرا إلى كونها مهد أقدم أبجدية مكتوبة في التاريخ الإنساني وهي الأبجدية الأوغاريتية التي تشابه في ترتيبها الأبجدية العربية مع بعض الفروق.

 

"
شاهد ألبوم الصور
"
كما قدمت الرقم واللقى المكتشفة معلومات هامة عن هذه المملكة التي أسسها الكنعانيون في العصر البرونزي الحديث (1200-1600) قبل الميلاد.

 

يشار إلى أن الأبجدية الأوغاريتية -حسب ما يقوله مدير متحف اللاذقية جمال حيدر- "حلت بامتياز محل الأنظمة المقطعية الثقيلة السائدة قبل ذلك، وكتبت عدة مئات من الرقم باللغة الأوغاريتية إلى جانب الوثائق الأكثر عددا المكتوبة بالأكادية اللغة العالمية في ذلك العصر".

 

ويضيف في حديث إلى الجزيرة نت أن استخدام الرموز الأوغاريتية لم يقتصر على الكتابة بل تعداها إلى استخدام رموزها "في تسجيل سلم موسيقي اعتمده فيثاغورث أصلا للموسيقى الغربية بعد ألف عام من ظهورها في أوغاريت".

 

يشار إلى أن اكتشاف موقع أوغاريت الأثري في رأس شمرة جاء عندما اصطدم محراث فلاح بحجارة ضخمة تبين أنها سقف مدفن أثري، لتكلف الحكومة الفرنسية عالم الآثار الفرنسي كلود شيفر بأعمال التنقيب هناك، بعد إبلاغها خبر اكتشاف المدفن.

 

مدفن ملكي في قصر ملكة أوغاريت (لجزيرة نت)
وأظهرت الحفريات أن أوغاريت -وهي مأخوذة من أوغارو أي الحقل بالبابلية- تعتبر خامس طبقة أثرية بنيت في الطبقة الأولى حيث تعاقبت على الموقع نفسه خمس طبقات أثرية تعود لأشهر الممالك السورية في التاريخ القديم.

 

والجزء المكتشف من موقع أوغاريت الأثري لا يتجاوز ربع المساحة الكلية للموقع، مع التذكير بأن العديد من الآثار المكتشفة هربت بحرا إلى متحف اللوفر في باريس خلال فترة الاستعمار الفرنسي.

  

الآثار المعمارية

 ويعتبر القصر الملكي من أهم منشآت المدينة المكتشفة حيث يمتد على تسعة آلاف متر مربع بصالات استقبال وساحات وأجنحة ملكية في الطوابق العليا في حين أظهر التنقيب شرقي القصر الملكي أحياء ومنازل سكنية عديدة مع مدافنها العائلية تحت الأرض. وتقع في أعلى التل في الجهة الشمالية بقايا معبدي أوغاريت: معبد بعل ومعبد دجن.

 

وتمتاز أوغاريت بموقعها المطل على البحر المتوسط الذي منحها شبكة من العلاقات الدولية حيث أثبتت نصوص مختومة بأختام ملكية رسمية الصلات التي كانت تربط ملوك أوغاريت بالبلاط الحثي والمصري وغيرهما.

 

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن أوغاريت ازدهرت فيها صناعات عديدة كصناعة الفضة والأسلحة بالإضافة إلى شهرتها في زراعة الزيتون والعنب.

 

وكان ملك أوغاريت الحاكم السياسي والكاهن الأكبر والسيد المطلق والقاضي وقائد الجيش يليه النبلاء والكهنة ورجال الدين، فالموظفون والتجار والصناع والأحرار والعاملون في الزراعة، وأخيرا العبيد.

 

ويرجح مدير متحف اللاذقية فرضيتين حول نهاية مملكة أوغاريت عام 1180 قبل الميلاد في كارثة لا تزال آثارها واضحة خاصة في القصر الملكي، وهما  زلزال قوي دمر المدينة أو غزو خارجي من قبل قوم عرفوا باسم شعوب البحر. وأشار إلى أن الجزء المكتشف من المملكة لا يتجاوز ربع المساحة الكلية.

 

وينفي حيدر أن يكون الإهمال سبب تأخر اكتشاف البقية، ويرى أن أياما جميلة تنتظر الأبحاث والمنقبين، "فلتبق محفوظة خمسين عاما أخرى أفضل من ضياعها كما حدث لآثار كثيرة هرّبت لتحف اللوفر بحرا". 

المصدر : الجزيرة