علي رضا مرادي أثناء تأدية دوره في المسرحية (الجزيرة نت)
 
عبد الجليل البخاري-طهران
 
لا يمكن لفضول أي زائر لإيران في زخم أيام عاشوراء أن يظل محايدا، فتواتر الطقوس الجماعية وتنوع مظاهر التعبير التي يتداخل فيها الديني بالاجتماعي بهذه المناسبة في جميع مناطق البلاد تكشف أن الغوص في أعماق هذا المجتمع مهمة ليست يسيرة.
 
"شب خواني" أو "تعزية خواني"، ليالي رثاء وعزاء في أيام عاشوراء تجذب كثيرا من الإيرانيين باعتبار أنها تحكي معاناة أهل البيت بعد استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما في معركة كربلاء، لكنها تثير الزوار الأجانب أكثر بسبب طابعها الذي يأخذ شكلا فنيا ومسرحيا.
 
في إحدى جوانب قصر "غلستان" -أو الوردة بالفارسية– جنوب طهران، الذي أسس لفترة هامة من حكم الأسرتين القاجارية والبهلوية وحولته الثورة الإسلامية عام 1979 إلى أحد المتاحف الأكثر استقطابا للزوار، وقف علي رضا مرادي كأي ممثل محترف وسط خمسة من زملائه يرتدون ملابس تاريخية ليجسد معاناة مقتل علي الأكبر ابن الإمام الحسين رضي الله عنه.
 
  لقطة للعرض داخل القاعة (الجزيرة نت)
وتواترت فواصل العرض المحبوكة سواء بالألبسة التاريخية المعبرة أو المقاطع الموسيقية المصاحبة بشكل مباشر -من طرف شخصين- بحوارات هي عبارة عن أشعار ومرثيات يتلوها كل عضو من الفرقة للتعبير عن موقف تاريخي في موقعة معينة من معاناة أهل البيت تصاحبها حركات مسرحية لتجسيد ذلك.
 
كما أن الديكور العام الذي ميزته القاعة المزينة بالسجاد الإيراني وأعلام خضراء وسوداء تتوسطها دعوات بتمجيد أهل البيت على غرار" يا حسين جان" أي "يا حسين يا روحي" منح للفضاء طابعا من السكون والخشوع يتداخل فيه الديني والتاريخي وكذا الفني.
 
أكل ومشروبات
ويلي تقديم هذه العروض المتسلسلة زمنيا، والتي تنظم غالبا ليلا -في أجواء طقس قارس- لمدة 10 أيام، تقديم الأكل والمشروبات للحاضرين من النساء والرجال والأطفال الذين يتابعون العروض باهتمام مثير للانتباه.
 
ولاحظت الجزيرة نت أن هذه العروض لا تبقى حبيسة خيام وقاعات كبيرة ممتدة في أنحاء متعددة في طهران، لكنها تتعداها إلى الشوارع العامة حيث عاينت عروضا ضخمة بعربات وخيول وفرق موسيقية بأحد أهم شوارع طهران طبعها تسامح غير اعتيادي من قبل سائقي السيارات.
 
عرض في شوارع طهران (الجزيرة نت)
لكن المثير للأمر لزائر إيران هو اكتشافه أن المشاركين في هذه العروض "المسرحية" هم مجرد متطوعين يقومون بذلك برغبة دينية في الأساس.
 
وفي هذا الإطار كشف مرادى (30 عاما) للجزيرة نت أنه يقوم  بهذه العروض منذ كان في الخامسة من عمره، وأوضح أن هدفه في ذلك هو "التقرب إلى الله".
 
وقال إنه رغم أن مهنته الأصلية هي الحدادة فإنه يتفرغ هو وزملاؤه في أيام عاشوراء للقيام بهذا العمل دون مقابل بهدف ما اعتبره نقل معاناة أهل البيت لجميع الأجيال.
 
ويشير كثير من الباحثين إلى أن التعبير المسرحي لمقتل الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما يأخذ بعدا أكبر في إيران استمد منه المسرح العام بالبلاد الشيء الكثير.

المصدر : الجزيرة