شبح الاغتيالات أجبر العلماء العراقيين على الهجرة بحثا عن حياة آمنة (الجزيرة نت-أرشيف)

جهاد السعدي

قبل عشرة أعوام مضت وقف عميد كلية القانون السابق في جامعة البصرة هاشم الجزائري أمام أحد مكاتب السفر بمدينة البصرة حاملا حقائبه للمشاركة في مؤتمر علمي دعي له خارج العراق وفي نيته المجازفة بقرار عدم العودة رغم العقوبات الحكومية التي كانت بانتظار من يفعل ذلك إبان فترة الحصار على بلاده.
 
وإذا كانت دوفع الجزائري في ذلك الوقت هي البحث عن فرصة معيشة أفضل، فإن دوافع المئات من العلماء الذين هاجروا أو هجّروا من العراق بعد الغزو الأميركي، هو النجاة بأرواحهم خصوصا وأن أعمال القتل طالت ما يزيد عن 700 عالم وأكاديمي عراقي.
 
قرار مصيري
يقول الجزائري الذي يبلغ حاليا 65 عاما "كنت أنوي عدم العودة نظرا للظروف المأساوية التي كنت أعيشها وغيري من الأكاديميين" .
 
ويتابع "راتبي كعميد لم يتعد أواسط التسعينات ثلاثين ألف دينار عراقي أي ما يساوي عشرة دولارات، كان وضعا مقيتا للغاية" يضيف "خيار السفر فرضته الظروف فتوجهت للأردن ولم يكن قبل ذلك في ذهني ترك بيتي وبلدي، كان قرارا مصيريا".
 
يقول الجزائري ضاحكا "كان سعر الحذاء في البصرة وقت غادرتها 15 ألف دينار عراقي أي أنني كنت بحاجة لنصف راتبي وأنا عميد لكلية عريقة حتى أتمكن من شراء حذاء بجودة عادية من السوق".
 
استهداف العلماء
أثناء حديثة عن واقع العراق حمل قصاصة من الغارديان البريطانية تحدثت عن تقرير أجرته حول عدد الأكاديميين العراقيين الذين نجحوا بالهرب من حملة الاغتيالات التي انتشرت في العراق وتسببت بنزوح أعداد كبيرة منهم للأردن.
 
يقول الجزائري "يد الاغتيال طالت حتى الآن ما يزيد عن سبعمائة أستاذ وعالم عراقي من أصحاب الكفاءات العليا والتخصصات المميزة" وأشار إلى أن عام 2003 شهد وحده تصفية منظمة لأكثر من مئة أستاذ جامعي معظمهم من رتبة أستاذ مشارك فاعلي.
 
الجزائري يعتقد أن الرجوع للعرق أصبح أقرب بنظره لدائرة الموت، فهو لا يعتقد بجدوى إجراءات الحكومة العراقية الخجولة في مضمار وقف نزيف الأدمغة.
 
أما عصام الراوي رئيس جمعية المدرسين العراقيين فيشير إلى أن أكثر من 217 أستاذا عراقيا اغتيلوا لأسباب ودوافع مجهولة خلال عام 2003 وأوائل عام 2004 فقط.
 
ويتابع الراوي إذا أضفنا إلى هذه الكفاءات حملة شهادتي الماجستير والدكتوراه الذين تم اغتيالهم في الفترة نفسها فان العدد سيتجاوز خمسمائة قتيل.
 
بين هجرتين
بدأت الهجرات الأولى للأكاديميين العراقيين للأردن مطلع عام 1991 بعد توقف العمليات الحربية فيما عرف وقتها بـ "عاصفة الصحراء" والسماح للعراقيين بالسفر كشرط من شروط الأمم المتحدة.
 
 يقول الجزائري "لم يكن أي بلد عربي أو أجنبي وقتها يفتح أبوابه أمام العراقيين سوى الأردن".
 
والهجرة الثانية للأساتذة العراقيين للأردن ازدادت عام 2003 وكانت أسبابها بالدرجة الأول أمنية.
 
ويؤكد الدكتور الجزائري "أي أمن كان بإمكان الأستاذ الجامعي بالعراق أن يقنعه بالبقاء وقد أجبر على تحزم مسدسه أينما ذهب، ومسلحون يقفون على باب مكتبه داخل الحرم الجامعي مدججين بأحدث أنواع الأسلحة؟".
 
وتقدر مصادر أكاديمية أردنية عدد الأساتذة العراقيين العاملين في الأردن حاليا بحوالي 700 أستاذ جامعي عراقي موزعين على أكثر من 30 جامعة حكومية وأهلية وكلية مجتمع.
 
لماذا الأردن؟
ويفضل الأساتذة العراقيون العمل بالأردن لاعتبارات عدة على رأسها كما يقول الجزائري فرق العملة والقرب الجغرافي من العراق، وبعض الامتيازات الممنوحة للعوائل العراقية مثل الدراسة في المدارس الرسمية وتجديد الإقامة دون معوقات، وهي المفقودة كما يقول في كثير من دول الجوار.

المصدر : الجزيرة