مراقبون إسرائيليون توقعوا بقاء خيار نشوب المواجهة مع حماس في غضون عام إلى عامين (رويترز-أرشيف)

وديع عواودة-حيفا

تزايدت مؤخرا التهديدات الإسرائيلية بتصعيد العمل العسكري بقطاع غزة على ألسنة صناع القرار بالمؤسستين السياسية والعسكرية، وكانت آخرها لوزير الدفاع إيهود باراك عقب انتهاء الجلسة الأسبوعية للجنة الخارجية والأمن يوم الاثنين الماضي.

وبينما تكتفي إسرائيل بتهديدات شفوية حتى الآن باجتياح غزة تواصل عملياتها الجوية واستخدامها النار عن بعد في استهداف الناشطين الفلسطينيين.

وكانت القناة الإسرائيلية العاشرة قد كشفت ليلة الجمعة أن الجيش يجري تدريبات واسعة لاحتلال مناطق مأهولة بالسكان كنموذج لاجتياح غزة حينما "يحين الوقت".

ويتفق عدد من الخبراء والمحللين الإسرائيليين ممن استطلعت الجزيرة نت آراءهم على وجود عوائق متنوعة تحول دون خروج إسرائيل في حملة اجتياح واسعة للقطاع على غرار حملة الجدار الواقي عام 2002.

في المقابل تتفق رؤى المراقبين الإسرائيليين على بقاء نشوب المواجهة مع حماس خيارا متوقعا جدا في غضون عام أو عامين رغم المحاذير أو الصعوبات التي يتوجس منها صاحب القرار.

ويستعرض التقرير التالي آراء محللين ومراقبين في إسرائيل حيال مستقبل الأوضاع والعلاقات بين إسرائيل وبين قطاع غزة تحت سيطرة حركة حماس ويشمل قراءاتهم لأشكال ومواعيد التصعيد المتوقع.

"
ما لم تهدأ الأجواء مع سوريا لن يبادر أولمرت وباراك إلى فتح جبهة ثانية
"
عوائق الاجتياح
أوضح المعلق في يديعوت أحرونوت نحوم برنياع أن إسرائيل تقف أمام خطر إيراني في غزة لا فلسطيني كما يؤكده قادة إسرائيليون، ولفت إلى أن ما تعلمه حزب الله في لبنان في غضون سنوات أنجزه الفلسطينيون في شهور نظرا لتسلحهم وتعاظم قوتهم.

واعتبر أن الحرب الجارية بين إسرائيل وبين حماس على الجدار والشريط العازل الذي تحاول الأولى بناءه هي مقدمة للحرب الشاملة التي ستنشب بين الطرفين لافتا إلى أن قيادة الجيش في منطقة الجنوب باتت على اقتناع بأن الحرب الكبرى حتمية.

وأشار إلى أن نجاحات الجيش الإسرائيلي في حماية الحدود مع غزة تمنح المستوى السياسي هامش مناورة وتحول دون انفجار الموقف مبكرا قبل الأوان.

وقال إنه من الناحية الإحصائية ربما يكون محتملا أن يقتل ستة جنود وستة مواطنين إسرائيليين منذ إخلاء غزة لكن صواريخ القسام حولت حياة الإسرائيليين في النقب الغربي إلى كابوس معتبرا أن الثمن المعنوي لذلك باهظ ولا يجوز التسليم به.

وأضاف "في الأسبوع المنصرم أصاب صاروخ روضة أطفال مغلقة في مدينة سديروت ولو كانت ممتلئة بالأولاد لوقفت حكومة إسرائيل أمام خيار واحد يتمثل في الخروج في حملة عسكرية قاسية كما حصل في عملية الجدار الواقي عام 2002".

ونوه إلى أن قيادة الجيش منقسمة اليوم بين مؤيد لاجتياح غزة وبين متحفظ عليها لافتا إلى أنه لكل طرف حججه الجدية، حيث يعتقد قائد لواء الجنوب في الجيش الجنرال جالنت ونائبه تشيكو تمير أنه لا مناص من عملية واسعة مبكرا، ويتطلعان لا لاحتلال القطاع بل للسيطرة على رفح ومحور صلاح الدين "محور تهريب السلاح" الذي سيجعل من غزة "دولة إرهاب" عظمى خلال سنة أو سنتين.

ويرى المؤيدون حسب برنياع أن هناك فرصة تتمثل في معاداة الرئيس عباس لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومقاطعتها دوليا قبل أن يصاب ربما الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالذهول ويعود لطاولة الحوار معها مما سيكبل يدي إسرائيل.

ويقول إن أولئك يقرون بأن مثل هذه العملية مكلفة للإسرائيليين وللفلسطينيين لكنهم ينوهون إلى أن البديل أكثر فظاعة، وسيصيب جنوب البلاد بالشلل مشيرا إلى أن الحالة الآن تشبه ما شهده الشريط الحدودي مع لبنان في فترة 2000-2006.

واعتبر أن "الوقت يمضي ولا يخدم إسرائيل وكل إرجاء للعملية يزيد حجم الخسائر وسيأتي يوم تسأل فيه لجنة تحقيق على غرار فينوغراد: لماذا رأيتم حماس تتسلح وتتعاظم ولم تفعلوا شيئا"؟

ورأى أن هناك خمسة عوائق تحول دون مسارعة رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير الدفاع إيهود براك لاتخاذ قرار أولها وجود مواضيع أكثر إلحاحا أهمها سوريا موضحا أنه ما لم تهدأ الأجواء معها لن يبادرا إلى فتح جبهة ثانية.

أما العائق الثاني فيتعلق باللقاء الإقليمي الذي سيعقد في الولايات المتحدة برعاية الرئيس الأميركي جورج بوش في الخريف القادم، وفي رأيه أن أي عملية واسعة بغزة تصعب على الرئيس عباس مسعاه لتثبيت نظام حكمه الذي يعتبر هدفا مركزيا بالنسبة لأولمرت.

ويعتبر أن العائق الثالث يتعلق بمصر، حيث إن إسرائيل والولايات المتحدة لم تفقدا "الأمل" في أن تستجيب القاهرة لطلبهما بإغلاق الحدود مع غزة بشكل تام لمنع تهريب السلاح.

أما العائق الرابع فمرتبط بالخوف من أن الاجتياح سيؤدي لاستهداف مستوطنة سديروت بسيل من الصواريخ ويتسبب في إفراغها من سكانها مع افتتاح السنة الدراسية الجديدة.

ويشير برنياع إلى أن العائق الخامس عسكري وينوه إلى أن عملية احتلال رفح ومنطقتها تتطلب تركيز قوات عسكرية كبيرة وربما قوات الاحتياط بعكس الضفة حيث تنجح القوات في الدخول والخروج بسرعة.

وأضاف "في الأجواء تلوح مخاطر التورط لكن الشعور السائد في وزارة الدفاع وداخل الجيش أنه لن يكون مناص من الاجتياح. المعضلة حول التوقيت فقط".

بروم: "العمليات المحدودة" التي تقوم بها إسرائيل بغزة ستتسع (رويترز-أرشيف)
عمليات واسعة لا اجتياح
ويقول شلومو بروم وهو باحث في معهد دراسات الأمن القومي وعميد بالاحتياط إنه لا مجال في المنظور القريب لأن تفاوض إسرائيل حركة حماس، وهي ماضية في سياستها بتقديم الدعم للرئيس عباس وحكومة سلام فياض في الضفة الغربية ومواصلة خنق حماس في غزة.

ويقول إنه "خلف هذه الإستراتيجية يقضي المنطق القائل بأن يقارن الفلسطينيون بين نجاح السلطة في الضفة وبين فشل حماس في غزة ودفعهم لاستخلاص العبر المرجوة".

ويشير بروم إلى وجود مشاكل صعبة ترافق هذا التوجه أهمها الخوف من أن تتوصل حماس لاستنتاج بضرورة الرد بعنف وتصعيده، لافتا إلى أنه لم يفاجأ حينما أعلن رئيس "الشاباك" أن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل أصدر تعليماته بتنفيذ عمليات عسكرية داخل إسرائيل تنطلق من الضفة الغربية، وأضاف "هذا أمر متوقع".

ورجح أن كل ذلك يقضي بحصول تصعيد على شكل عمليات واسعة في غزة إذا تواصلت أعمال العنف، وقال إن "العمليات المحدودة" التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي هناك ستتسع.

وأضاف "لكنني لست متأكدا من أنها ستبلغ بحجمها عملية الجدار الواقي لأن أوضاع غزة مختلفة فالناشطون هناك أكثر عددا وسلاحا وتدربا. وربما تبادر إسرائيل بعملية تهدف لبتر قطاع غزة عن الأراضي المصرية في محاولة لتقليص تهريب السلاح".

وقال بروم إنه لا شك في أن "مؤتمر السلام" في الخريف القادم سيؤّثر على مستقبل العلاقات مع حماس ولفت إلى أن هذا التاريخ "يفتح شهيتها" لتفجيره بواسطة عملية داخل إسرائيل في حال مضى الغرب والسلطة الفلسطينية في مقاطعتها، وهذا ربما يعجل عندئذ عملية إسرائيلية واسعة النطاق في القطاع.

وأشار إلى أنه "في المقابل فإن لإسرائيل مصلحة معاكسة تقضي بالمحافظة على الاستقرار ضمانا لنجاح المؤتمر في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل ولذلك لا أرى تصعيدا إسرائيليا في الشهرين القادمين".

ليس الآن
واستبعد المحلل العسكري في هآرتس عاموس هارئيل شن حملة إسرائيلية واسعة على غزة في المنظور القريب بسبب عدم وجود مصلحة للطرفين في انفجار الموقف.

وقال إن حماس معنية بالمحافظة على المقاومة على "نار هادئة" وتحاشي مجابهة كبيرة لرغبتها في تثبيت حكمها في القطاع وعرقلة المساعي السلمية المبذولة من قبل الرئيس عباس وإسرائيل.

وأوضح هارئيل أن الصدام الكبير من شأنه أن يؤدي لتحطيم حركة حماس ولفت إلى أن الوقت يمضي لصالحها ونتائج استطلاعات الرأي تظهر كل يوم انحسار قوة الرئيس عباس وحركة فتح.

وأضاف "صحيح أن غزة مبعث قلق لكن الوضع الراهن مختلف عما كان عشية الجدار الواقي عام 2002. وفي سديروت ليس دقيقا أن السكان لا ينامون الليل خوفا من القسّام ولا شك أن هناك ضريبة شفوية".

وقال إنه يعتقد أن الصدام مع حماس وارد بعد عام أو عامين ولكن ليس في الشهور القريبة إلا إذا وقعت عملية كبيرة كسقوط صاروخ قسّام في أحد رياض الأطفال مسببا عددا كبيرا من الضحايا.

وذكر أن ثمة اعتبارات عسكرية أيضا ونوه إلى أن القطاع مكان مزدحم سكانيا وفيه مجموعات مسلحة تتقن حرب العصابات وأن اجتياحه سيظهر إسرائيل بصورة مريعة ولن يضمن وقف صواريخ القسّام.

وأضاف "كذلك لابد من إعداد الرأي العام العالمي والإسرائيلي لعملية واسعة وهذا غير ممكن اليوم بعكس الوضع عشية عملية خطف الجنديين في يوليو/تموز 2006 ولا شك أن الإسرائيليين اليوم لا يثقون بقدرة الحكومة الحالية".

وأوضح أن إسرائيل قلقة أكثر من التهديد السوري، وقال إن الوضع لم يهدأ بعد ويمكن أن يشتعل الجولان لافتا إلى أنه ليس بمقدور إسرائيل فتح جبهتين في نفس الوقت.

"
الحالة الفلسطينية الراهنة تشكل "شهر عسل" بالنسبة للاحتلال لأن استمرار الانقسام أضعف المقاومة، وهو يتمنى تكريسها
"
شلومو أفنيري

شهر عسل للاحتلال
وأكد شلومو أفنيري وهو ناشط من أجل سلام وصحفي مخضرم أنه لا توجد لإسرائيل اليوم أي مصلحة لإنهاء حكم حركة حماس في قطاع غزة وقال إنها لم تشعر طيلة العقود الأربعة الماضية بالارتياح والسرور كما في هذه الأيام إزاء انقسام الحركة الوطنية الفلسطينية وتناحر قطبيها.

وقال إن "الحالة الفلسطينية الراهنة تشكل " شهر عسل" بالنسبة للاحتلال لأن استمرار الانقسام أضعف المقاومة، وهو يتمنى تكريسها".

واستبعد أفنيري حملة واسعة ضد حماس، ولفت إلى توقف مقاومة الاحتلال في الضفة الغربية موضحا أن إسرائيل لا تولي اهتماما كبيرا في الواقع للمقاومة في غزة وأن سقوط صواريخ القسّام لا يزعج الحكومة كثيرا طالما لم يقع حدث درامي.  

كما أكد أن الجيش غير معني باجتياح القطاع لأن له ثمنا باهظا وسيسبب مقتل جنود كثر، وقال إنه لا يفضل خوض معارك في مناطق مأهولة بالسكان، ويتوقع أن تستمر الحالة الراهنة.

نار هادئة
وأشار العميد بالاحتياط يوني فوجل في مركز الأبحاث للشؤون الإستراتيجية في هرتزليا إلى عدم وجود مصلحة لإسرائيل وحماس اليوم في تدهور الأوضاع، لافتا إلى أن الأخيرة معنية بالحصول على شرعية عربية ودولية.

ورجح ألا تبادر حماس بعمليات كبيرة تستدعي ردا إسرائيليا واسعا إلا إذا وجدت ذاتها أمام أحداث إستراتيجية تهدد كيانها كمؤتمر السلام في الخريف الذي يعقد بالأساس "للنيل" منها.

وأضاف "غير أن قادة حماس لا يتصرفون دائما بموجب معايير عقلانية لاسيما أن حماس الخارج قادرة على تغيير الوضع الراهن".

وقال فوجل إنه رغم تهديدات باراك لا أحد يعرف إلى أين سيذهب الطرفان مشيرا لوجود عدة خيارات منها اجتياح غزة بقوة كبيرة لتوفير حل مؤقت على الأقل.

وأضاف "لكن هذه عملية معقدة ومحفوفة بالمخاطر للطرفين فالدخول بسيط بعكس الخروج وهناك إمكانية ألا تقوم إسرائيل بشيء كما هو اليوم لكن هذه لا تخلو من المصاعب والتهديدات في ضوء استمرار تساقط صواريخ القسّام التي تمس بمواطنين وتحرج الحكومة".

وخلص إلى القول إن الوضع بمجمله معقد وإنه لا يتوقع صداما بين إسرائيل وحماس في المنظور القريب لغياب مصلحة في ذلك لدى الطرفين موضحا أنه لا يضمن ألا تنشب الحرب بينهما الأسبوع القادم نتيجة تدهور مفاجئ على غرار حرب لبنان الثانية. وختم بالقول "الاعتبارات العقلانية المنطقية لا تضبط وحدها الأوضاع".

المصدر : الجزيرة