محمد عبد العاطي
 
بعد  ثلاثة أيام فقط تراجعت الحكومة العراقية عن قرارها سحب ترخيص شركة بلاك ووتر الأميركية التي تسببت في قتل أحد عشر مدنيا الأحد الماضي في بغداد. ويرى محللون أن القرار السريع والتراجع السريع ألحقا مزيدا من الضرر بصورة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
 
القرار وضده
فبعد أن عم الغضب الشارع العراقي عقب مقتل المدنيين برصاص مسلحي بلاك ووتر، أعلنت الحكومة سحب ترخيص الشركة ووقفها عن العمل، إلى أن يتم التحقيق فيما حدث ومحاسبة المتورطين فيه أمام القضاء العراقي ووفقا للقانون العراقي، يومها أكد المالكي إنه لن يتساهل مع من يقتل العراقيين بدم بارد.
 
تلا الإعلان العراقي اعتذار أميركي مع تشكيل لجنة قيل إنها تستهدف دراسة الموضوع، وأشار البعض إلى أن الهدف من اللجنة "إقناع" المالكي بالتراجع عن قراره.
 
لم يكد يمر على الإعلان ثلاثة أيام حتى فوجئ العراقيون بمسلحي بلاك ووتر من جديد في مراكز عملهم. وتزامنت هذه العودة مع تأكيد للحكومة العراقية صدر عنها أمس أنها "لن تتسرع" في إيقاف الشركة أو طردها حتى لا يتسبب ذلك في "اختلال أمني".
 
تبعية وسيادة غائبة
محمد الدوري (الجزيرة)
ويقول المندوب العراقي السابق لدى الأمم المتحدة وأستاذ القانون الدولي محمد الدوري إنه توقع القرار لكنه لا يخف دهشته أنه "تم بسرعة عجيبة تدعو للسخرية والأسى في آن معا".
 
وأوضح سبب أساه للجزيرة نت بقوله إن العراق لا يزال خاضعا للاحتلال ولا سيادة له من منظور القانون الدولي، وشركة بلاك ووتر والحكومة العراقية هما جزء من الاحتلال نفسه "تأتمران بأمره وينتهيان بنهيه".
 
وأضاف السفير العراقي الأسبق أن كل حديث لهذه الحكومة عن ما يسمى السيادة ما هو إلا "ضحك على الذقون وذر للرماد في العيون"، وهو كلام "للدعاية والاستهلاك المحلي الرخيص" ولا اعتبار له قانونيا.
 
قفزة في الهواء
عبد الحسين شعبان (الجزيرة)
من جهته يعتقد الخبير القانوني عبد الحسين شعبان أن القرار دليل على أن رئيس الوزراء نوري المالكي ليس "بمستوى رجل الدولة"، وقال بأن قراره هذا دليل على "جهل" وعدم معرفة بحيثيات التشابك في العلاقات الدولية.
 
وقال شعبان في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت إنه كان ينبغي على المالكي قبل أن يتخذ هذا القرار الذي هو بمثابة "القفزة في الهواء" أن يدرس الظروف والعوامل المحيطة به والمؤثرة فيه حتى لا يتخذه اليوم ويتراجع عنه غدا بهذه الطريقة المخزية.
 
وتحدث الخبير القانوني عن قرار مماثل اتخذه رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي بانضمام العراق إلى ميثاق روما الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب الذين أفلتوا من قبضة العدالة, لكنه بعد أقل من أسبوعين عاد وأعلن انسحابه دون أن يقدم تفسيرا لانضمامه وانسحابه، لكن قرار انسحابه يفهم إذا علمنا -والكلام لشعبان- أنه جاء بعد أن انسحبت الولايات المتحدة وإسرائيل.
 
ليس بيدها
عبد الوهاب القصاب (الجزيرة)
لم يبتعد كثيرا الدكتور عبد الوهاب القصاب عن الرأيين السابقين، وقال بأنه فور سماعه قرار حكومة المالكي سحب ترخيص بلاك ووتر ابتسم ساخرا منه، وبرر ابتسامته الساخرة بقوله للجزيرة نت إن مثل هذا القرار ليس من صلاحيات حكومة المالكي كما أنه ليس بيدها وهو خارج عن حدود قدرتها وإمكاناتها.
 
وألمح القصاب إلى وجه من أوجه الصعوبات العملية التي تكتنف تنفيذ قرار كهذا بقوله إن بلاك ووتر لا تستطيع عمليا أن تسرح آلاف المرتزقة  لديها وتنهي تعاقداتهم في العراق وتتنازل عن مئات الملايين من الدولارات سنويا من أجل تحسين صورة المالكي وحفظ ماء وجهه ووجه حكومة لا سلطان لها وتعمل في بلد ناقص السيادة.

المصدر : الجزيرة