جنود تابعون لمشاة البحرية الأميركية (مارينز) يتفقدون أحد الجسور التي دمروها في مدينة حديثة غرب بغداد (الفرسية-أرشيف)
 
محمد عبد العاطي

وفقا لتقديرات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي فإن العراق بحاجة إلى قرابة ستين مليار دولار لإعادة إعمار الحد الأدنى من مقومات الحياة وبخاصة في مجالات الكهرباء ومياه الشرب والزراعة والنفط والصحة والأمن.
 
لم يتوفر من هذا المبلغ سوى 32.7 مليار دولار فقط، كان نصيب الولايات المتحدة منها بحسب مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي ثلاثين مليارا، أما الدول المانحة والمؤسسات الدولية التي تعهدت في مؤتمرات كثيرة عقدت تحت عنوان إعادة إعمار العراق بتقديم 13.6 مليارا فلم تزد حصتها عن 2.7 مليار دولار فقط.
 
الإعمار لم يبدأ بعد
آمر فرقة المهندسين التي تشرف على العمل في بعض مشاريع إعادة إعمار العراق الجنرال ويليام ماكوي يعترف -في مؤتمر صحفي ببغداد عقد أول يناير/كانون الثاني من العام الماضي- بأن ما جرى ليس عملية إعادة إعمار حيث لم تسع الولايات المتحدة إلى ذلك في يوم من الأيام وإنما كل ما جرى هو فقط مجرد "إطلاق" عملية إعادة الإعمار.
 
ويضيف أن نصف ما خصص لإعادة الإعمار أنفق على مواجهة "التمرد" إضافة إلى تكاليف التحقيق التي اقتضتها محاكمة الرئيس الراحل صدام حسين وبناء نظام سجون ومراكز اعتقالات متطورين.
 
معوقات
الأسباب في عدم وفاء تلك الدول وهذه المنظمات بما وعدت به يلخصها المراقب العام للحسابات في الولايات المتحدة ديفد إم ووكر وخبراء آخرون في الأمم المتحدة في عدة نقاط من أبرزها غياب النزاهة والشفافية في صرف تلك الأموال، وشيوع الفساد المالي والإداري الذي يستهلك ما يزيد عن 20% من تلك الأموال.
 
المفتش الأميركي العام لإعادة إعمار العراق ستيورت بوين قال في جلسة استماع أمام الكونغرس الأميركي عقدت في 22 مايو/أيار الماضي بعنوان "العراق.. هل فشلت عملية إعادة الإعمار؟" إن أهم عقبة تواجه تلك العملية هي أنها تنفذ تحت وابل نيران المسلحين العراقيين، الأمر الذي يرفع كلفة كل مشروع بنسبة تصل إلى 25% عن الميزانية الأساسية التي كانت مخصصة له من قبل.
 
واعتبر بوين أن العقبة الأخرى التي تعد على حد وصفه "تمردا ثانيا" لا يقل خطورة عن "تمرد المسلحين" تتمثل في "الفساد المستشري بين وزراء في الحكومة العراقية وموظفين كبار في الدولة".
 
وأكد المفتش الأميركي أن رئيس الوزراء نوري المالكي منع لجنة للنزاهة العامة تشكلت لمحاسبة الوزراء المتورطين في عمليات فساد من مقاضاة هؤلاء المفسدين سواء من تركوا مناصبهم أو من لا يزالون على رأس عملهم.
 
وفي فبراير/شباط من العام الجاري أصدر بوين آخر تقرير له عن إعادة إعمار العراق ركز فيه على الجهود المبذولة في مكافحة الفساد ذاكرا أن مكتبه عاكف على 78 تحقيقا مفتوحا انتهى من 23 قضية ثبت فيها فساد واضح وبأدلة دامغة وحولها لوزارة العدل العراقية، كما انتهى أيضا من تسع قضايا فساد كبرى لمتعاقدين ومقاولين وشركات خاصة حولها إلى فريق عمل فساد العقود الدولية وفريق عمل الاحتيال في أنشطة المشتريات القومية التابع لوزارة العدل الأميركية.
 
آفة الفساد لا تتوقف عند بعض المسؤولين العراقيين وإنما تمتد لتشمل المسؤولين الأميركيين أنفسهم كما ذكر الحاكم الأميركي الأسبق في العراق بول بريمر في مذكراته حينما تحدث عن اختفاء ثمانية مليارات دولار كانت مخصصة لإعادة إعمار العراق.
 
غياب الرادع
أما التحقيقات التي تجريها الإدارة الأميركية أحيانا لمعرفة مصير بضعة ملايين "تختفي" بين الحين والآخر في العراق فإنها كما رآها الخبير الإستراتيجي الدكتور منذر سليمان في اتصال سابق مع الجزيرة نت "ذرا للرماد في العيون" ومحاولة "لإيهام" الرأي العام بأن هناك مراقبة وتحقيقات لكن الحقيقة -والكلام لسليمان- أن كل نتائج التحقيقات التي تمت بشأن العراق كانت خواتيمها إما إغلاق ملف القضية أو توقيع عقوبات خفيفة جدا.

المصدر : الجزيرة