محمد عبد العاطي
 
بشكل غير معهود وبلغة غير معتادة أصدرت أمس منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها بشأن دارفور. لم تكتف المنظمة بما هو معروف من عمل المنظمات الدولية المشابهة المتمثل في رصد حالة حقوق الإنسان والتنبيه على ما يلحقها من انتهاكات وتوثيق ذلك في تقارير تضم بين جنباتها وقائع محددة، وإنما أوغلت بعيدا في أمور سياسية إلى الحد الذي جعل ما هو سياسي يغلب على ما هو قانوني ومهني.
 
التقرير المثير للجدل
مدير قسم أفريقيا في هيومن رايتس ووتش بيتر تاكيرامبودي اتهم الحكومة السودانية في تقريره بوضع الألوان والعلامات والشارات الخاصة بالأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الأفريقي على الطائرات السودانية بطريقة غير قانونية.
 
واتهم التقرير الحكومة كذلك بدعم مليشيات الجنجويد "المسيئة"، واستنكر ترشيح السودان وزير الشؤون الإنسانية أحمد هارون لرئاسة لجنة لتلقي الشكاوى بشأن دارفور، ووصف هذا الترشيح بأنه "جرأة غريبة"، إذ كان من المفترض -على حسب التقرير- تسليم هذا الوزير لمحكمة الجنايات الدولية بسبب الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها في دارفور.
 
بعد هذه الاتهامات انتقل التقرير إلى ما هو أبعد حيث طالب الدول الأعضاء في مجلس الأمن بفرض "عقوبات اقتصادية" على السودان إذا لم يلتزم بما وصفه "بمعايير" تحسين شروط الأمن والسلامة في دارفور.
 
جدلية السياسي والمهني 
البعض وصف مضمون التقرير ولغته ومنهجه في التناول بأنه تقرير سياسي أكثر منه مهني حقوقي، وهو ما فتح الباب من جديد أمام مشروعية ما بات يتخوف منه البعض من قيام بعض منظمات حقوق الإنسان "بدور" يتماشى مع أجندات سياسية خاصة.
 
الناشط في مجال حقوق الإنسان نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية محمد السيد سعيد من أصحاب هذا الرأي، ويقول في حديث مع الجزيرة نت إنه باستثناء منظمة العفو الدولية تغلب بعض المنظمات الأخرى الجانب السياسي على المهني، وعلى رأس هذه المنظمات هيومن رايتس ووتش.
 
والدليل على هذا كما يقول سعيد هو أن المنظمة المذكورة دأبت في تقاريرها المتعلقة بالمنطقة العربية خاصة كلما كانت القضية تخدم بصورة أو بأخرى إسرائيل على التحيز والبعد عن الموضوعية والتوزان.
 
ويعتقد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بأن تلويح منظمة هيومن رايتس ووتش بالعقوبات الاقتصادية ومطالبة الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بذلك هو نوع من "السياسة" التي تخدم أجندات خاصة ليس اللوبي اليهودي غائبا عنها.
 
ويبرهن محمد السيد سعيد على ذلك بقوله إن معظم أعضاء مجلس أمناء هذه المنظمة -التي مقرها الولايات المتحدة- وأغلب المتبرعين لها هم أسماء وشخصيات يهودية معروفة بتأييدها الكبير وتحيزها الدائم لإسرائيل، ومشهور عنها دعمها تل أبيب في المنظمات والمحافل الدولية.
 
وإن هذه التقارير -والكلام لسعيد- غير متوازنة وغير موضوعية وبعيدة عن المهنية الأمر الذي يعطي مشروعية بالفعل للتخوفات المتزايدة يوما يعد يوم من الأدوار السياسية المشبوهة لبعض هذه المنظمات.
 
لكن المنظمة تدافع عن نفسها في وجه منتقديها، وتقول إن المعايير التي تعتمدها يمليها عليها حرصها على المهنية ولا علاقة لها بالسياسة.

المصدر : الجزيرة