ملايين المشردين ينتظرهم مصير مجهول (الفرنسية)

أشرف أصلان
 
الجوع والمرض حاصرا الملايين من ضحايا أسوأ فيضانات تجتاح جنوب آسيا على مر التاريخ، بحسب العديد من المراقبين وخبراء الطقس والمناخ في العالم.

رائحة الموت والدمار تفوح من مناطق متفرقة, ومن بقي من المشردين ظل ينتظر نهايته ما لم يسمع صراخه أحد في الجانب الآخر من العالم المتقدم.

الكارثة تفاقمت وتتجه نحو الأسوأ بفعل الفقر الذي ضرب هذه المناطق وشل قدرتها على مواجهة غضب الطبيعة أو على الأقل الحد من آثارها التدميرية.

تقول أرقام الأمم المتحدة إن 28 مليونا من مشردي الفيضانات في الهند وبنغلاديش ونيبال يواجهون خطر الموت، ما لم تصلهم مساعدات عاجلة في غضون الأيام القليلة المقبلة.
 
أكثر من ألفي شخص أغرقتهم بالفعل مياه الفيضانات وجرفتهم مع منازلهم الفقيرة إلى حيث لم يتوقع أحد.

لقد أصبحت الهند أكثر المناطق المنكوبة تضررا, حيث تجاوز عدد المشردين بها 20 مليونا, في حين جاءت بنغلاديش في المرتبة الثانية وبها نحو ثمانية ملايين مشرد.
 
ويشار هنا إلى أن بنغلاديش -أحد بلدان العالم الأكثر فقرا- بها خمسة أنهار تفيض سنويا على خمس مساحة البلاد، إلا أنها هذه المرة فاضت على نحو 40% وأغرقت مناطق واسعة من العاصمة داكا. أما نيبال فقد تجاوز عدد مشرديها الـ300 ألف.
 
أطفال جنوب آسيا الذين يشكلون نحو 40% من إجمالي عدد سكانه، يواجهون كارثة من نوع خاص، فهم أكثر عرضة للموت من غيرهم بسبب النقص الحاد في المساعدات, ونتيجة للقوة التدميرية الكبيرة للفيضانات, فضلا عن عدم وجود مياه صالحة للشرب.
"
الأمم المتحدة:
28 مليونا من مشردي الفيضانات في الهند وبنغلاديش ونيبال يواجهون خطر الموت ما لم تصلهم مساعدات عاجلة في غضون الأيام القليلة المقبلة
"
تساؤلات

تطرح الكارثة العديد من علامات الاستفهام حول الدور الذي يفترض أن يقوم به المجتمع الدولي لمساعدة المنكوبين, إضافة إلى تساؤلات أخرى حول طبيعة التغيرات المناخية الناجمة عن النشاط الإنساني وتأثيرها على الكرة الأرضية لا سيما سكانها الأكثر فقرا.

وقد بات من الواضح طبقا لتجارب سابقة عندما اجتاحت موجات تسونامي مناطق متفرقة من آسيا، أن المساعدات الدولية -خاصة من الدول الغنية- لن تبلغ  المستوى المطلوب, بل إن بعضها لن يقدم إلا ذرا للرماد في عيون الرأي العام العالمي.

كارثة الفيضانات الأخيرة في جنوب آسيا تتفاقم على نحو سريع, وربما يكشف ذلك عن قصور حاد في دور المجتمع الدولي, فهناك إلى جانب تدهور أوضاع 28 مليونا من المشردين, تتحدث الأرقام عن وفيات قد تصل 40% من سكان جنوب آسيا وتتركز بين الأطفال الذين يشكلون هذه النسبة من سكان المنطقة.

فهل يستطيع العالم أن يبرهن على مصداقيته ويسارع إلى إنقاذ الضحايا؟ الإجابة عن هذا السؤال ستتضح خلال الأيام القليلة المقبلة, وهي الأيام التي حددتها منظمة الصحة العالمية كسقف زمني لإنقاذ ملايين الأشخاص الذين ينتظرون الموت.

التغيرات المناخية
بات واضحا طبقا لدراسات علمية حديثة أن الانبعاث الحراري الناجم عن النشاط الإنساني يقف بقوة وراء موجة التغيرات المناخية التي تجتاح العالم. هذه الموجة وتأثيراتها السلبية لا تتفاقم وصولا إلى الوضع الكارثي إلا في بلدان العالم الأكثر فقرا.

وليس من شك في هذا الصدد أن تفاقم الكارثة في جنوب آسيا على النحو الحاصل حاليا يرجع بدرجة أساسية إلى تدهور حياة الناس المعيشية في هذا الجزء من العالم. وطبقا لتقرير مؤتمر دولي عن المناخ عقد في باريس قبل عدة شهور، فإن الدول الفقيرة ستكون الأكثر تضررا من التغيرات المناخية.

فهذه الدول لا تملك الإمكانيات اللازمة للتنبؤ بهذه التغيرات, فضلا عن كونها تعجز بشكل شبه كامل عن تدارك آثار ما ينجم عنها من كوارث.

كما أن هذه الدول تفتقر -بشكل أو بآخر- إلى الثقل السياسي في المجتمع الدولي بما يحرمها من الاهتمام اللازم بكوارثها, الأمر الذي ربما يتضح في حجم المساعدات التي قد يتم تغليفها بغلاف سياسي أو طائفي أو ديني.

اتحاد الفقراء
وهنا تبدو الحاجة واضحة إلى نوع من التكاتف وتوحيد الجهود بين الدول الأكثر فقرا للبحث عن آلية مشتركة لمواجهة هذا النوع المتكرر من الكوارث, بحيث يمكن التنبؤ به من الناحية العلمية, فضلا عن الحد من آثاره المدمرة.

ويمكن أيضا من خلال الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية تحميل جانب من المسؤولية للدول التي تتسبب في أكبر قدر من الانبعاث الحراري, بحيث تتحمل هذه البلدان تبعات الجانب الأكبر من المساعدة والإغاثة. وهنا تجب الإشارة إلى أن الولايات المتحدة -وهي صاحبة أكبر نصيب في الانبعاث الحراري- ترفض التوقيع على معاهدة كيوتو المتعلقة بالتغيرات المناخية.

وحتى يتحقق الاتحاد المنشود بين الدول الأكثر تضررا, وإلى أن يستمع الأغنياء لصرخات الفقراء في الجانب الآخر من الكرة الأرضية, ستبقى قضية التغيرات المناخية معلقة حتى إشعار آخر ومعها معاهدة كيوتو التي قد تصبح بمرور الوقت مجرد حبر على ورق. 

المصدر : الجزيرة