محمد عبد العاطي
 
كوبا جزيرة صغيرة، تقع على مرمى حجر من سواحل الولايات المتحدة الأميركية، عاصمتها هافانا، مساحتها تزيد قليلا عن مائة ألف كيلومتر مربع، ثلاثة أرباعها سهول خصبة وفي باطنها كميات من المعادن المتنوعة.
 
موانئها عميقة، وشواطئها رملية، ومناخها معتدل، مما جعلها عبر القرون محطة لخدمة السفن التجارية العابرة للمحيط الأطلسي، ومطمعا للجيران.

عدد سكانها يتجاوزون بقليل 11 مليون نسمة، يتحدثون الإسبانية، ويدين 85% منهم بالمسيحية الكاثوليكية، ومعظمهم بين سن الشباب والرجولة.
 
احتلها المستعمر الإسباني أربعة قرون (من نهاية القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر).
 
الوصاية الأميركية
حاول ثائرها وشاعرها خوسيه مارتي حشد طاقات الجماهير، فأعلن الثورة على الإسبان لكنه فشل في المرة الأولى، أما في الثانية فساعدته الجارة الكبرى الولايات المتحدة لكنها لم تكن مساعدة بالمجان.
 
لم يكد يمر عامان بعد هزيمتها إسبانيا عام 1898 حتى أخذت الثمن، فرضت الوصاية على كوبا، ومنحت نفسها حق التدخل في شؤونها الداخلية، اقتصادا وسياسة وزراعة وصناعة.
 
نظام باتيستا
كان آخر حكام كوبا الموالين لواشنطن فولغنسيو باتيستا الذي اشتهر بقمع الثوار وعلى رأسهم المحامي الشاب فيدل كاسترو عام 1953.
 
حاول باتيستا تخفيف ضغط الرأي العام، ففكر في مغازلة الشعب بإطلاق سراح كاسترو، لكنه لم يكن يعلم أن ذلك بداية النهاية لنظام حكمه.
 
الثورة
"
فرضت الولايات المتحدة على كوبا حصارا اقتصاديا وعزلة سياسية وشنت حملات دعائية لكن كل ذلك لم يؤد إلى النتيجة التي أرادتها منذ خمسين عاما وهي الإطاحة بنظام حكم كاسترو

"
فر كاسترو إلى المكسيك ومن هناك جمع بعض الثوار ودربهم على حرب العصابات، وفي عام 1956 نزل بهم إلى الشاطئ الشرقي لكوبا، واستولوا على جبال سييرا مايسترا بمساعدة رفيق دربه وكفاحه أرنستو شي غيفارا.
 
زحف الثوار على العاصمة هافانا عام 1959، أُسقط في يد باتيستا الذي أوقفت عنه واشنطن المساعدة عام 1958، ففر هاربا إلى واشنطن.
 
أصبح كاسترو رئيسا، وأخوه راؤول نائبا، وغيفارا الرجل الثالث في هرم القيادة.
 
الانتقام
لم تترك الولايات المتحدة كوبا تنعم بثورتها، وتبني نفسها، فرسمت خطا إستراتيجياً يهدف إلى الإطاحة بكاسترو فأحكمت على كوبا الحصار، وفرضت عليها العزلة السياسية والدبلوماسية. وحاولت اغتيال الزعيم الكوبي مرات عدة تنوعت بين كوماندوز من الكوبيين المنفيين في عملية عرفت بخليج الخنازير عام 1961 إلى تلغيم شاطئ يسبح فيه إلى تفخيخ سيغاره.
 
 
أزمة الصواريخ
عززت كوبا التعاون مع الاتحاد السوفياتي، فزار راؤول كاسترو موسكو واتفق على نشر صواريخ بالستية سوفياتية على أراضي بلاده.
 
وقاد ذلك إلى اقتراب الدولتين العظميين من الحرب قبل التوصل لاتفاق سحب الصواريخ السوفياتية من كوبا مقابل سحب الصواريخ الأميركية من تركيا، والتعهد بعدم غزو واشنطن لكوبا.  
 
مساعدة اليساريين
في السبعينيات والثمانينيات نشطت كوبا في دعم الثوار اليساريين في العالم، لم يكن دعما سياسيا أو اقتصاديا فقط وإنما كان أيضا دعما عسكريا، لثوار أنغولا، ولمساعدة منغستو هيلا ماريام في إثيوبيا أثناء قتاله الإريتريين والصوماليين.
 
أصبحت هافانا قبلة اليساريين والاشتراكيين والشيوعيين في العالم، لكن في التسعينيات كانت على موعد مع سنوات العسر والشدة، انهار الاتحاد السوفياتي في أول العشرية، وانخفض السعر العالمي للسكر في منتصفها، وازدادت وطأة الحصار الأميركي في نهايتها.
 
الانفراجة
مع بداية الألفية الثالثة ارتفعت أسعار المعادن، وتوالت مساعدات فنزويلا بقيادة رئيسها هوغو شافيز، فدارت عجلة الاقتصاد من جديد، وكوبا الآن لا تزيد نسبة البطالة فيها عن 2%، ومعدل نمو اقتصادها 9% سنويا ولديها نظام خدمات ورعاية صحية هو الأكفأ في أميركا اللاتينية، ويقف في مكانة متميزة بين أفضل عشر نظم رعاية صحية في العالم، ونظام تعليمي نجح في أن تكون نسبة من يعرفون القراءة والكتابة من البالغين فيه 98%. لكنها على المستوى السياسي ظلت تحكم بنظام الحزب الواحد وتشديد الضغط على المعارضة.
 
انتقال السلطة
وفي التاسع عشر من فبراير/ شباط 2008 وبعد معاناة طويلة مع المرض وعقب سلسلة من العمليات الجراحية وبعد فترة من انتقال مهام إدارة شؤون الدولة إلى أخيه ونائبه راؤول أعلن الزعيم فيدل كاسترو تنحيه عن الرئاسة ورفضه أي محاولة أو إلحاح لإبقائه في منصبه أكثر من ذلك قائلا "لن أقبل بتولي مهام الرئاسة وقيادة القوات المسلحة" مسدلا بذلك الستار على نصف قرن من المسؤولية كان فيها أحد أهم الرموز السياسية العالمية طوال النصف الثاني من القرن العشرين.

المصدر : الجزيرة