البصري كان الرجل القوي بالمغرب طلية سنوات من حكم الحسن الثاني (الجزيرة نت-أرشيف)

المحفوظ الكرطيط

قبل نحو 10 أيام من الانتخابات التشريعية في المغرب شاءت الأقدار أن يغيب الموت وزير الداخلية المغربي الأسبق إدريس البصري الذي ظل على امتداد ربع قرن (1974-1999) مهندس جميع الاستحقاقات الانتخابية التي عرفتها البلاد قبل أن يقال من مهامه بعد أشهر من تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم في يوليو/ تموز 1999.

رحل البصري (69 عاما) بعد أن قضى نحو ثماني سنوات بعيدا عن السلطة مشدودا بالحنين إلى العقود الطويلة التي قضاها في وزارة الداخلية، التي كانت توصف في عهده بأم الوزارات نظرا لاتساع اختصاصاتها.

فقد التحق البصري الذي ينحدر من أصول اجتماعية متواضعة بسلك الشرطة في مطلع ستينيات القرن الماضي وترقى بسرعة في سلمها مسلحا بدهائه ومستغلا كل الفرص السانحة أمامه ليعين عام 1974 كاتب دولة (وزير دولة) في الداخلية قبل أن يصبح الرجل الأول في الوزارة عام 1979.

خلال أغلب فترات حكم الملك الراحل الحسن الثاني ظل البصري بمنزلة الرجل الثاني في البلاد، وصار البعض يعتبره بمنزلة "نائب الملك" وذراعه اليمنى لتنفيذ سياساته، خاصة في سنوات مرض الملك التي انتهت بوفاته في 23 يوليو/ تموز 1999.



حائط صد
وقد ازدادت قوة البصري في السنوات الأخيرة من حكم الملك الراحل وصار حائط صد للنظام الملكي، إذ أصبح منتقدو النظام يفضلون توجيه سهامهم إلى ابن مدينة سطات (مسقط رأس البصري وسط المغرب) بدل مواجهة القصر الملكي.

وظل الحسن الثاني متمسكا بالبصري إلى النهاية، حتى كان ذلك سبب فشل مفاوضات مع بعض الأحزاب المعارضة في منتصف تسعينيات القرن الماضي للمشاركة في تدبير شؤون البلاد لأنها اشترطت ألا يشارك البصري في تلك التجربة.

ولم تمر إلا سنوات قليلة حتى رضخت تلك الأحزاب لتمسك القصر بالبصري، وقبلت أن يحتفظ بحقيبة الداخلية ضمن حكومة التناوب التي تشكلت عام 1998 بقيادة المعارض السابق عبد الرحمن اليوسفي.

مستمدا قوته من الثقة الملكية ومن طبيعة نظام الحكم في البلاد أصبح البصري يمارس مهام كثيرة تتجاوز اختصاصاته ويدير ملفات كثيرة، على رأسها أكثر القضايا حساسية للنظام وللبلاد متمثلة في قضية الصحراء التي كان يشرف على تدبيرها سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا وإداريا.

وبعد وفاة الحسن الثاني قضى البصري ثلاثة أشهر عصيبة في الوزارة، حيث بدأت أوراقه تتساقط الواحدة تلو الأخرى وأصبحت صلاحياته تتقلص إلى أن صدر قرار من الملك الجديد محمد السادس في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1999 ينهي مهامه ليتأكد ما كان يروج بشأن الخلافات بين الوزير ومحمد السادس لما كان وليا للعهد.



من منفاه الاختياري في فرنسا بدأ البصري يصفي حساباته مع خصومه (الفرنسية)

قطيعة ومنفى
وقد رأى الكثيرون إبانها في تلك الخطوة قطيعة مع طريقة الحسن الثاني في الحكم، لكن حتى بعد إبعاده بقي البصري رمزا لفترة الملك الراحل، إذ أصبح شماعة لكل من يريد أن ينتقد أسلوب وخيارات "العهد السابق".

وقد كثر منتقدو البصري وبعضهم كانوا مقربين إليه وبينهم سياسيون وإعلاميون، وتطورت الانتقادات إلى أن اتخذت شبه حملة منظمة أخرجت الرجل من صمته.

ومن منفاه الاختياري في فرنسا بدأ البصري يصفى حساباته مع رجال "العهد الجديد" خاصة المحيطين بالملك محمد السادس، محملا إياهم مسؤولية متاعبه التي وصلت إلى درجة تشديد شروط حصوله على جواز السفر.

وفي خرجات إعلامية كثيرة هاجم البصري -تارة تلميحا وتارة بالتصريح- خصومه، مركزا انتقاداته على تواضع كفاءتهم وعلى ما يعتبره سوء تدبير لبعض الملفات الحساسة خاصة قضية الصحراء.

ورغم ذلك ظل البصري يعبر عن وفائه لروح الملك الحسن الثاني وللملكية، إلى درجة أنه وصف نفسه في بعض التصريحات الإعلامية بأنه "منظر وفيلسوف الملكية" وبأنه "ملكي صادق"، معتبرا خصومه مجرد "ملكيين كواسر".

المصدر : الجزيرة