محمد عبد العاطي-الجزيرة نت
 
الوجود العسكري الأميركي في أفريقيا يتزايد عاما بعد عام، يبدأ بالاتفاق على إقامة مناورات عسكرية مشتركة، ويتطور إلى الحصول على تسهيلات عسكرية في المطارات والموانئ، ثم ينتهي بالاتفاق على إقامة قواعد عسكرية كبيرة ومتكاملة تستخدمها الولايات المتحدة في شن الحرب على من تشاء ممن تصفهم بالأعداء.
 
وتحدد اختيار واشنطن هذه الدولة أو تلك لإقامة أي نوع من أنواع التعاون العسكري السابق الذكر ثلاثة أمور:
  • الموقع الإستراتيجي ومقدار التحكم في الخطوط والممرات الملاحية الرئيسية.
  • النفط وحجم ما تنتجه الدولة منه وحجم الاحتياطات المؤكدة والمحتملة في أراضيها.
  • البيئات القادرة على توليد ما تصفه بالإرهاب والعازمة على تصديره إليها.
هذه الأمور أضحت بمثابة الكلمات المفتاحية التي بها يُفسر ما استغلق على فهم خريطة الوجود والانتشار العسكري الأميركي في القارة الأفريقية.
 
نقاط الارتكاز
بعد أن ضربت القاعدة الولايات المتحدة يوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 أدخلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بعض التعديلات على فلسلفة نشر قواتها المسلحة في الخارج.
 
فتوسعت فيما أسمته "نقاط الارتكاز" لتشمل أكبر عدد ممكن من دول العالم، تحقيقا لإستراتيجيتها الجديدة في الأمن القومي كما عبر عنها الرئيس جورج بوش في العشرين من سبتمبر/أيلول 2002.
  
والمقصود بنقاط الارتكاز هو أن تمتلك المؤسسة العسكرية الأميركية مواطئ قدم لها، صغيرة لكنها فعالة، ومجهزة بإمكانيات التوسع لتتحول في وقت وجيز من مجرد نقطة للارتكاز إلى قاعدة أو ما يقاربها في إمكانياتها وقدراتها العسكرية والقتالية.
 
وقد سارت واشنطن في هذا الاتجاه حتى أصبح لديها -جنبا إلى جنب مع القواعد العسكرية- العديد من نقاط الارتكاز المهمة، والتي تعمل كذلك بالتنسيق مع القوات صغيرة الحجم العاملة في بعض البلدان تحت مظلة "التسهيلات" الممنوحة لها.
 
وللولايات المتحدة في أفريقيا حاليا قواعد عسكرية في أوغندا وجيبوتي والسنغال وجمهورية ساوتومي وبرنسيب (بالقرب من الساحل الشمال الغربي للغابون)، أما نقاط الارتكاز سابقة الذكر فهي كثيرة وتمتد في العديد من بلدان القارة.
 
جيبوتي
القاعدة العسكرية الأميركية في جيبوتي تطورت في السنوات الأخيرة وبخاصة بعد هجمات سبتمبر/أيلول 2001 لتصبح واحدة من أهم القواعد العسكرية الأميركية في العالم.
 
خصصها البنتاغون لمراقبة من يصفهم بالجماعات الإسلامية الإرهابية في القرن الأفريقي وشرق أفريقيا.
 
كما تتمتع هذه القاعدة بموقع إستراتيجي مهم للغاية حيث إنها لا تبتعد سوى 50 كيلومترا فقط عن جنوب غرب شبه الجزيرة العربية المنتج الأول للنفط في العالم.
 
ويزيد من أهميتها لدى الولايات المتحدة أنها تتحكم من خلالها في مضيق باب المندب الذي يعد البوابة الرئيسية للبحر الأحمر ومنه لقناة السويس أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.  
 
أوغندا
القاعدة العسكرية الأميركية في أوغندا قوية وكبيرة، وقد أقامتها وزارة الدفاع الأميركية لتغطي الحاجات والأهداف العسكرية لها في منطقة شرق أفريقيا والبحيرات العظمي.
 
هذه القاعدة تم تزويدها بمختلف أنواع الأسلحة والعتاد الحربي منذ أن توجه الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني عام 1986 ببلاده لإقامة تحالف إستراتيجي مع الولايات المتحدة.
 
السنغال
بعد تولي الرئيس السنغالي عبد الله واد مهمات منصبه عام 2000 غيّر توجهات السياسة الخارجية لبلاده فولَّى وجهها شطر البيت الأبيض عوضا عن قصر الأليزيه.
 
وتبع ذلك منح الولايات المتحدة تسهيلات عسكرية واسعة ونقاط ارتكاز مهمة، فشرعت على الفور القوات الأميركية في استغلالها في العديد من المهمات العسكرية في غرب القارة الأفريقية بأكمله.  
 
أما عن سبب اختيار الولايات المتحدة للسنغال تحديدا فلأنها تتمتع بموقع إستراتيجي على المحيط الأطلسي من جهة، ولتراكم الدراسات الجيولوجية التي تؤكد وجود كميات كبيرة من النفط في أراضيها وأراضي البلدان المتاخمة لها من جهة أخرى.
 
ساوتومي وبرنسيب
امتد الوجود العسكري الأميركي إلى جمهورية "ساوتومي وبرنسيب" الواقعة بالقرب من الساحل الشمالي الغربي للغابون، والتي تتألف من جزيرتين تحتلان موقعا إستراتيجيا مهما على المحيط الأطلسي.
 
فأقامت الولايات المتحدة في هذه الجمهورية الصغيرة نقطة ارتكاز قوية تراقب من خلالها كميات النفط التي يتعاظم حجمها وتزداد أهميتها عاما بعد عام في دول خليج غينيا.
 
وتتخذ البحرية الأميركية من ساوتومي وبرنسيب مقر قيادة وقاعدة تدريب لجيوش هذه الدول.
 
كذلك حصلت الولايات المتحدة من ليبيريا ومالي على تسهلات تتيح لها استغلال أراضيهما للأغراض العسكرية إذا دعت الضرورة.
 
الشمال الأفريقي
أما في الشمال الأفريقي الذي يعتبر في المنظور الإستراتيجي الأميركي الفناء الخلفي للاتحاد الأوروبي والذي لا بد من تعظيم الوجود العسكري فيه لتطويق أوروبا من الجنوب، فإن البوابة العسكرية الأميركية إلى ذلك كانت في جزء أساسي منها تتم من خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي بات له حضور مكثف في المغرب وتونس.
 
أما مصر فإن لها وضعا خاصا، حيث تربطها بالولايات المتحدة علاقات إستراتيجية متينة على المستوى السياسي والعسكري، يتمثل ذلك فيما تقدمه من تسهيلات عسكرية.
 
فالقوات البحرية الأميركية تتمتع بتسهيلات في موانئ بورسعيد والسويس والغردقة، وهي كلها مواقع من الناحية الإستراتيجية مهمة لقربها من ممر قناة السويس.
 
وتقدم القاهرة لها كذلك تسهيلات خاصة تتعلق بعمليات تدريب "النجم الساطع" التي أصبحت دورية وتتم في بعض المواقع العسكرية في الساحل الشمالي.
 
كذلك تشمل التسهيلات ما تقدمه مصر للقوات الجوية الأميركية في قاعدة غرب القاهرة الجوية.
 
القيادة العسكرية
تتولى مهمة الإشراف على الوجود العسكري الأميركي حاليا في أفريقيا ثلاث قيادات إقليمية رئيسية:
  • القيادة الوسطى وتشرف على الشرق الأوسط.
  • قيادة المحيط الهادئ وتشرف على مدغشقر ومحيطها.
  • قيادة أوروبا وتشرف على الجزء الأكبر من أفريقيا.

وتسعى الولايات المتحدة حاليا إلى إعادة هيكلة هذه القيادات لتصبح مهة الإشراف على الوجود العسكري الأميركي في القارة الأفريقية بأكملها مهمة قيادة واحدة فقط.

وترددت أسماء مثل إثيوبيا والمغرب ومصر لاختيار واحدة منها لتكون دولة مقر للقيادة الجديدة، لكن يبدو أن البت النهائي في اختيار هذه الدولة لم يحسم بعد.

المصدر : الجزيرة