منظر عام لغرفة المحرك والمولد الخاص بإحدى محطات توليد الطاقة النووية في ألمانيا 

محمد عبد العاطي
 
بعد فترة تتراوح بين 50 و70 عاما لن يصبح بحوزة العرب نفط، فماذا هم فاعلون وقتذاك؟ الطاقة البديلة المستخرجة من الشمس والرياح لم يستثمروا أموالهم فيها بعد؟ والاستخدامات السلمية للطاقة النووية لا يزالون مترددين في ولوج بابها، يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى؟ فكيف سيؤمنون إذن حاجاتهم من الطاقة؟.
 
وهل ما تشهده الساحة حاليا من توجهات بعض أنظمة الحكم في بعض الدول العربية مثل مصر وليبيا والأردن واليمن ودول الخليج للحصول على الطاقة النووية، ستسفر عن شيء جاد هذه المرة؟ أم أنها مجرد مساحيق لتجميل وجوه خط الزمن تجاعيده عليها؟ ومحاولة لإعادة صبغها بألوان تتماشى مع عصر العلم والتكنولوجيا الذي تأخروا في اللحاق به كثيرا؟.
 
النفط وحده لا يكفي
النفط هو نوع من الوقود "الأحفوري" المستخرج من باطن الأرض، وهو موجود بكميات محددة إذا ما تم استهلاكه فإن المصانع والسيارات والطائرات والسفن ومحطات توليد الكهرباء وتنقية المياه وغيرها من شتى أنشطة ومظاهر الحياة المرتبطة باستخدامات النفط ومشتقاته، لن تكون لها قيمة.
 
العرب الذين يمتلكون حاليا قرابة نصف الاحتياطي العالمي من النفط ليسوا في مأمن. فأكثر الدراسات تحفظا تشير إلى أن نفط العرب سينفد في غضون خمسين عاما، أما أكثرها تفاؤلا فيمد الفترة إلى سبعين، وهي فترة في حياة الأمم والشعوب قصيرة، فهل يخطط القادة العرب من الآن لما بعد عصر النفط؟.
 
رؤية إستراتيجية مفقودة
ناجي أبي عاد
الخبير في قضايا النفط واقتصاديات الطاقة الدكتور ناجي أبي عاد غير متحمس للقول بأن العرب بدؤوا بالفعل يخططون، ويفسر ذلك للجزيرة نت بقوله إن الحكومات العربية اعتادت أن تنظر تحت أقدامها، ولا تمتلك رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، ومبررها في ذلك القول بأننا نمتلك موارد للطاقة كبيرة، وبأسعار منخفضة، وتكلفة متدنية، فلماذا نتعب أنفسنا بالتفكير والتخطيط لما بعد خمسين عاما؟.
 
دعوات مشابهة
محمد علي زيني
قد تكون دعوات الحكومات العربية إلى استخدام الطاقة النووية في المجالات السلمية مثل توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر والعلاج النووي والزراعة وغيرها، غير جديدة.
 
وقد تكون الأذن العربية اعتادت على سماع كلام مثل هذا منذ مؤتمر القمة العربي الذي عقد بالقاهرة عام 1964 واتخذ قرارا بإنشاء "المجلس العلمي العربي المشترك لاستخدام الطاقة الذرية في الأغراض السلمية".
 
وقد تكون كذلك العين العربية قد شاهدت الكثير من مثل هذه الأطروحات منذ إنشاء "المنظمة العربية للطاقة النووية" قبل عشرين عاما.
 
لكن يبدو أن الأمر هذه المرة مختلف، أو هذا على الأقل ما رآه خبير الطاقة واقتصادياتها في مركز دراسات الطاقة العالمية بلندن الدكتور محمد علي زيني في حديثه مع الجزيرة نت.
 
إيران والدافع إلى الجدية
"
يمكن للعرب إذا استثمروا أموال الطفرة النفطية الحالية في إقامة مشاريع للطاقة النووية، أن يصبحوا المُصِّدر الرئيسي للطاقة الكهربائية في العالم بعد نضوب النفط

"
ومبررات الاختلاف كما يراها زيني مرجعها إلى الخوف الحقيقي من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة العربية، وتصاعد قوتها المستمر بعد احتلال العراق، وسعيها الدؤوب لامتلاك السلاح النووي.
 
لذلك -والكلام لزيني- فقد تكون مساعي الأنظمة العربية سابقة الذكر التي تربطها بالولايات المتحدة علاقة "صداقة"، جاءت بعد ضوء أخصر حصلت عليه من واشنطن لإعادة التوزان بين إيران وجيرانها العرب.
 
الاستثمار اليوم أفضلل
الاستثمار اليوم أفضل من غد -يعود ناجي أبي عاد لالتقاط خيط الحديث ويضيف قائلا- لأن أسعار مشاريع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وعلى رأسها محطات توليد الكهرباء في ازدياد، ولأن العرب الآن وخاصة الخليجيين منهم يمتلكون فوائض مالية ضخمة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، فإن ذلك يمكنهم من استثمار جزء أساسي منها في مثل هذه المشاريع الإستراتيجية التي يستغرق الانتهاء من إنشاء المحطة الواحدة منها وتشغيلها نحو عشرة أعوام.
 
هل الأمر بهذه السهولة؟
لكن هل الأمر بهذه السهولة؟ سؤال وجهناه للدكتور محمد زيني الذي أجاب عنه قائلا إن بعض الدول العربية تمتلك القدرات والخبرات العلمية والفنية مثل مصر في الوقت الراهن ومثلما كان حال العراق قبل أن يدمره الأميركان.
 
لكن بقية الدول العربية يمكنها أن تبدأ مستعينة بالدول التي ستتعاقد معها على الشراء، ويمكنها كذلك الاستعانة ببعض الدول الإسلامية المتفوقة في هذا المجال مثل باكستان وماليزيا، لكن المهم أن تتوقف عن الكلام وتبدأ العمل، لأن هناك -يختم زيني- دولا أقل من الدول العربية قطعت شوطا بعيدا في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
 
أما إذا كان تخوف البعض من أن تكون توجهات الأنظمة العربية لامتلاك الطاقة النووية من قبيل الدعايات السياسية، في محله، فإن هذا يعتبر "خيانة"، ومحاولات "رخيصة" منها للإبقاء على شعوبها "ضعيفة مغيبة ذليلة من المحيط إلى الخليج". 

المصدر : الجزيرة