كل ما تخلفه النخلة يدخل في حياة العراقيين (الجزيرة نت)

فاضل مشعل-بغداد
 
تبدأ أيام الحر الشديد التي يسميها العراقيون طباخات الرطب في العشرين من يوليو/ تموز وتنتهي في العشرين من أغسطس/ آب من كل عام، حيث ينضج نحو أربعمائة من أنواع التمور العراقية.
 
وفي هذه الأيام تفننت أساليب العراقيين في التعامل مع درجات الحرارة التي ترتفع إلى نحو خمسين مئوية في الظل وأكثر من ذلك تحت الشمس. 
 
وينقل طالع النخيل (الأبار) سعدون هاشم (63 عاما) ما يقوله القدامى عن أحد الولاة العثمانيين "عندما سأل الوالي العثماني عن أسباب هذا الحر الخانق فور وصوله العراق وأجيب أنها الأيام التي ينضج فيها التمر صرخ  قائلا اقطعوا هذه النخيل, اقلعوها من أرض العراق حتى تستقيم درجات الحرارة".
 
ولكن الوالي العثماني وغيره ذهبوا وبقي نخيل العراق -وفق ما يقول سعدون- الذي تمكن خلال ثلاثة أشهر فقط من تنظيف وتلقيح نحو 1500 نخلة تضم أكثر من ثمانين نوعا من التمور.
 
ويضيف طالع النخل أن "هذا الحر نعمة من نعم الله لأهل العراق" الذين تكيفوا معه واستنبطوا أساليب لم يفصحوا عنها أمام ذلك الوالي العثماني من بينها استخدام مادة العاقول ووضعها على شبابيك المنازل واستخدام جريد النخل في المفارش وحتى الأواني وترك الماء في أوان من الطين المفخور ليلا ليبرد صباحا وغيرها من الأساليب العديدة.
 
ويرى الطبيب أحمد دخيل أن أهل العراق تعاملوا بحضارة وتفنن مع موجة الحر التي تمر عليهم في مثل هذه الأيام، فاستنبطوا عادات توارثوها جيلا بعد جيل.
 
كما أشار إلى أن الكثير من العائلات الريفية مازالت تتمسك ببناء المساكن من الطين الممزوج بالتبن, والنوم على سطوح المنازل وإقامة مداخل من قصب البردي للبيوت.
 
وأوضح دخليل أن هناك شهادات من القدامى بأن هذا الحر قضى على أنواع فتاكة من الأوبئة في العراق.
 
شهر الخصب
من قوالب الطين شيد العراقيون حضاراتهم (الجزيرة نت)
ويقول دخيل إن العراقيين القدامى يعتبرون يوليو/ تموز "شهر الخصب حتى أن لقاء إله الخصب تموز مع آلهة الحب عشتار كان يتم في أيام الحر هذه التي كانت تعد أيام خصب مقدسة عند أهل العراق, ثم إن المشرع العراقي الملك حمورابي أفرد لوائح قانونية محددة للحفاظ على النخلة في مسلته الشهيرة إلى أن أطلت على العالم قبل أكثر من ستة آلاف عام".
 
أما تمر العراق الذي تزيد أنواعه على 400  فإنه بحسب المختص الزراعي علي العاني يتوزع على نحو 16 مليون نخلة مازالت تقاوم الظروف التي مرت بالعراق.
 
وقد فقد العراق ملايين النخيل خلال العقود الأربعة الماضية بسبب الحرب مع إيران والتي دارت معظم فصولها بمنطقة النخيل الرئيسية في البصرة جنوب البلاد، وبسبب ازدياد رقع التصحر إضافة إلى انتشار أمراض فتاكة أصابت النخيل أبرزها الدوباس.
 
ويقول الحاج خليل الكرادي إن الرطب العراقي يطرح في السوق قبل العشرين من يوليو/ تموز وحسب أنواعه معددا أنها تبدأ بأصابع العروس يتبعها الشويثي ثم الدكل ثم الخستاوي ثم البريم ثم التبرزل ثم الأسطة عمران ثم الخضراوي ثم الزاهدي، وهكذا يستمر نضوج الأنواع الأخرى.
 
ولا تنضج أفخر الأنواع مثل البرحي إلا بعد العشرين من  أغسطس/ آب حيث تنتهي أيام طباخات الرطب، وتبدأ التمور بالشح من السوق لتفسح المجال أمام ملك الأنواع البرحي الذي يطل على متذوقيه متأخرا عند مطلع سبتمبر/ أيلول وفق الكرادي. 

المصدر : الجزيرة