ظاهرة الوشم تنتشر في العراق وسط العنف والتقتيل (إيرين) 
إذا كان الوشم قد ارتبط قديما بالخرافة والسحر والشعوذة، إلى أن وصل حديثا إلى صرعة في المجتمعات الغربية، فإن له في العراق وظيفة أخرى تتعلق بثقافة الموت.
 
الوشم في العراق أصبح علامة تميز جثة صاحبه إذا ما قتل، ذلك إذا أبقت وسيلة القتل على تلك العلامة. 
 
وبحسب هؤلاء فإن ظاهرة الوشم الملموسة بشكل واضح في العاصمة بغداد تولدت كرد على موجة العنف والتقتيل المنتشرة هناك، والتي تزايدت في الآونة الأخيرة، وأصبح البعض ينحت هويته على جسمه خشية أن ينتهي به المطاف جثة في المشرحة لا يستطيع أحد التعرف عليها أوالمطالبة بها.
 
هذه الوظيفة هي الرد الذي يذكره كل من اختار وشما يميز به جسده رسما كان أم عبارة كالتي اختار قيصر طارق العيساوي كتابتها على كتفه وتقول "عمري من عمر شجرة الزيتون".
 
العيساوي البالغ من العمر 36 عاماً عمد إلى رسم هذا الوشم على كتفه حتى يتمكن أصحابه وأفراد أسرته من التعرف على جثته في حال انتهى به المطاف في المشرحة.
 
ويشرح العيساوي، وهو والد لطفلين، سبب اختياره لهذا الوشم تحديدا فيقول  "اخترت هذه الجملة لأن أسرتي وأصدقائي المقربين فقط يعلمون بشجرة الزيتون التي زرعها والدي عند ولادتي".
 
ثقافة الموت
ويبدو أن العيساوي ليس الوحيد في بغداد الذي يضع الوشم على جسده، فالظاهرة تستهوي الكثيرين ومن فئات عمرية مختلفة، إذ يقول أحد رسامي الوشم إنه قد وشم نحو 100 رجل تتراوح أعمارهم بين 20 و50 سنة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
 
وعن هذه الظاهرة قال أحد خريجي الفنون الجميلة رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية "هناك نحو 10 رسامين في بغداد واثني عشر آخرين في المحافظات الأخرى. نعمل في منازلنا، ويعلم الناس بوجودنا عن طريق بعضهم البعض".
 
وقد تردى الوضع لدرجة لم يسلم فيها أحد بمن فيهم المفجوعون من الاعتداء. فقد بدأ الانتحاريون باستهداف الخيام المنصوبة من قبل الأسر والأقارب والأصدقاء والجيران لتلقي العزاء في موتاهم.
 
الخوف من التعرض للقتل يمنع الأقارب من مرافقة جثث أحبائهم إلى المقابر، وفي بعض الأحيان يمنعهم أيضاً من الإعلان عن أسماء موتاهم.
 
ابتزاز الثكالى
ويتلقى بعض أقارب الضحايا اتصالات هاتفية من الهواتف الجوالة لأحبائهم المفقودين، يدعي فيها المتصلون أنهم يحتجزون هؤلاء ويطالبون بفدية. وعندما تصلهم النقود يخبرون الأسر بأن أقرباءهم قد قتلوا.
 
من بين الحالات التي يصعب عدها حالة صلاح الدين الجابوري (55 عاماً)، وهو سائق سيارة أجرة ببغداد وأب لستة أطفال، وأمضى عشرة أيام يتفاوض فيها مع أشخاص مجهولين لإطلاق سراح ابنته التي كانوا يدعون أنهم يحتجزونها.
 
ويحكي الجابوري قصته قائلاً "لقد بعت سيارتي وذهب زوجتي وبعضاً من أثاث البيت لجمع مبلغ 10 آلاف دولار المطلوب كفدية. ولكن بعد يوم من استلامهم المبلغ، اتصل أحدهم وقال لي: أيها الغبي، ابنتك في المشرحة وقد تعرضت للقتل في انفجار سيارة ملغومة منذ 10 أيام".
 
وقد أطلق ضابط شرطة، طلب عدم الإفصاح عن هويته، على مثل هؤلاء الأشخاص لقب "النسور الإنسانية" قائلاً إنهم يحضرون إلى أماكن الانفجارات لسرقة الهواتف النقالة والنقود وساعات اليد من القتلى والجرحى.
 
وألقى اللوم على عصابات الجريمة المنظمة التي "تقوم بتجنيد رجال الشرطة أحياناً" للقيام بمثل تلك الأمور. وهم يفضلون الجثث المنكل بها التي يصعب التعرف عليها.
 
وفي تعليقه على انتشار تلك الظاهرة يقول الباحث في جامعة المستنصرية عبد الجبار محمد أمين، "هذا أمر طبيعي في مثل هذه الظروف. فمع كل المعاناة اليومية والخدمات المتدنية والانفجارات والمشاهد الدموية في كل مكان وانتشار الجرائم، يوشك المجتمع العراقي على الاندثار.. الكل يجد الأعذار لما يقترفه.
 
يقولون إن لديهم عائلات لإطعامها وهم مستعدون لعمل أي شيء من أجل ذلك. وهم بهذا العذر يسمحون لأنفسهم بالذهاب إلى أبعد الحدود".
 
ويضيف "في مجتمع محكوم بالدم والموت مثل مجتمعنا، تصبح عملية إعادة التأهيل شبه مستحيلة في المستقبل القريب، حيث أصبح جيل واحد على الأقل جزءاً لا يتجزأ من هذه الثقافة.. ثقافة العنف". 
 
دوامة القتل
وكانت عمليات القتل الناتجة عن العنف الدائر في العراق قد ارتفعت بشكل ملحوظ منذ عام 2006، وأصبح من المعتاد العثور على جثث لضحايا يصعب التعرف عليهم في مكبات النفايات وفي نهر دجلة، كانت قد قيدت أيديهم وظهرت عليهم علامات التعذيب واخترق أجسامهم الرصاص.
 
ويقدر عدد القتلى الذين سقطوا ضحية العنف الدائر في العراق منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة سنة 2003 ما بين 62.000 قتيل حسب جثث القتلى التي تم العثور عليها و600.000 بحسب دراسة نشرت العام الماضي في المجلة الطبية البريطانية، ذا لانست The Lancet.
 
لكن هذه الأرقام وحدها لا تستطيع أن تظهر بوضوح كيف تأقلم العراقيون مع الموت.

المصدر : شبكة الأنباء الإنسانية إيرين