محاولات سلخ تركيا عن تاريخها الإسلامي لم تهدأ منذ عقود (الجزيرة نت)

 
في عام 1938 وبعد وفاة مصطفى أتاتورك "أبو تركيا" وقائد حملة التتريك، عمد خليفته عصمت أنينونو وإمعانا في سياسة التتريك وإكمالا لما وصف بمحاولات سلخ تركيا عن تاريخها الإسلامي وعمقها الشرقي، إلى إصدار قرار برفع الأذان في المساجد باللغة التركية، وطارد بالسجن والنفي كل إمام ومؤذن يخالف تعليماته ويرفع الأذان باللغة العربية.
 
وأعدم في عهده الكثير من المؤذنين وغصت السجون بآلاف الأئمة عدا آلاف آخرين اختاروا المنفى هربا بدينهم، وآخرين كثيرين وجدوا أنفسهم في مصحات نفسية بأمر من السلطة الحاكمة.
 
وأمام الرفض الشعبي التركي العارم لتتريك الأذان أجبر رئيس الحكومة عدنان مندراس -أحد قادة العلمانية في خمسينيات القرن الماضي- على إعادة رفع الأذان بالعربية، وإن كان قد دفع حياته ثمنا لهذا القرار من قبل العسكر الذين اتهموه بالخيانة العظمى من خلال إصدار قوانين تتنافى مع علمانية تركيا.
 
واليوم عندما تسأل رجل الشارع التركي عن لغة الأذان يقول لك "العربية والحمد لله". وفي ساحات وشوارع إسطنبول يمخر صوت الأذان بالعربية المنطلق من آلاف المآذن عنان السماء، في تحد جريء لرغبة صناع القرار الممسكين بزمام الحياة السياسية في الجمهورية التركية.
 
شواهد تاريخية
مساعي إلحاق تركيا بالقوة بأوروبا لم تهدأ منذ نحو تسعة عقود، لكن الشواهد التاريخية تؤكد أن إرثها الإسلامي الكبير كان يعيدها بقوة إلى جذورها الشرقية.
 
أكثر من 70% من التركيات محجبات (الجزيرة نت)
واليوم ورغم كل محاولات حماة العلمانية بكشف رؤوس التركيات والتضييق على المحجبات في أهم مناحي الحياة، فإن أكثر من 70% -وفق دراسات- من النساء التركيات محجبات ضحين بدراستهن الجامعية وفرص العمل بالوظائف الرسمية مقابل الاحتفاظ بزيهن الإسلامي الذي ينظر إليه صناع القرار هنا على أنه علامة تخلف آتية من الشرق.
 
فاطمة كندراس فتاة في العشرينات من عمرها حرمت من التعليم الجامعي لأنها اختارت الحجاب، عندما نسألها عن سعادتها بتطبيق العلمانية في بلادها تبتسم وترفض التعليق.
 
أما اللغة العربية التي حاربها أتاتورك وخلفاؤه بصرامة وضراوة، حتى أنه غير شكل الكتابة العثمانية من الأحرف العربية إلى اللاتينية "للتخلص من الجهل والتخلف القادمين من الشرق" ومنع التحدث بها وتدريسها في المدارس التركية، فيبدو أن الشعب عاد ليفتح لها نوافذه بعد أن طردها ساستهم من أوسع الأبواب.

 
يقول الصحفي التركي إبراهيم ملتان للجزيرة نت "نحن نريد علمانية تحمي الدين ولا تعاديه، نريد علمانية لا يتدخل فيها الدين بالسياسة، وبالمقابل لا تتدخل السياسة في الدين".
 
العربية والقرآن
ويتحايل الأتراك على القوانين التي تحظر تعلم لغة القرآن الكريم، بإنشاء جمعيات ثقافية خاصة متعددة الأغراض يكون من أهم أهدافها تعليم العربية.
 
وتشهد حصص اللغة العربية إقبالا متزايدا من قبل الأتراك من مختلف الفئات العمرية والمستويات الثقافية، كما تنتشر في المكتبات التركية كتب لتعلم العربية.
 
أما الإقبال على تعلم القرآن وحفظه وفهمه فيشكل مخاطرة ومغامرة أكبر بالنسبة للأتراك الذين يقيمون في بيوتهم آلاف المراكز والمدارس السرية لحفظ كتاب الله وفهمه لمختلف الفئات العمرية، متحدين عقوبات بالسجن تصل لسنوات طويلة فيما لو تم كشف أمرهم من قبل سلطات الدولة.
 
وتفرض السلطات حظرا على تعلم القرآن في المدارس بينما تسمح بتعلمه في مراحل عمرية معينة، وفي مدارس يخضع التعليم القرآني فيها لسيطرتها وإشرافها بحيث لا يتضارب مع فهمها للعلمانية.
 
أما المظهر الآخر الذي يؤكد تمسك الشعب التركي بأصوله الدينية والتاريخية، فهو انتخاب الأتراك لحزب العدالة والتنمية ذي الأصول الإسلامية وفوزه بأغلبية ساحقة في الانتخابات التشريعية عام 2002.
 
عمر فاروق الباحث والسياسي التركي بدا فخورا جدا بتاريخه العثماني، ولا يقبل بمحو هذا التاريخ أو الإساءة إليه، رغم اعتزازه الكبير أيضا بقوميته التركية.

المصدر : الجزيرة