إسماعيل أبو حميدان يجمع ذكريات اللاجئ في صور ودروع (الجزيرة نت)

محمد النجار-عمان

تلخص قصة الحاج إسماعيل أبو حميدان حكاية الفلسطيني الذي عاش لاجئا ومشتتا وفدائيا، وعايش انتكاسات العرب من نكبة 1948 إلى هزيمة 1967 وصولا لاجتياح لبنان عام 1982.

في منزله المتواضع في مخيم البقعة للاجئين -أكبر المخيمات الفلسطينية في الأردن- روى أبو حميدان (75 عاما) للجزيرة نت "تغريبته" الممتدة على خمسين عاما ونيف قضاها كثائر وكشاهد على عصر النكبات العربية.

ويروي ابتداء قصة مشاهداته في سنوات طفولته الأولى لوالده الذي حمل البندقية مقاوما للاستعمار البريطاني في ثورة القسام عام 1936، امتدادا لثورة عبد القادر الحسيني. وعن هذه التجربة يقول "مازلت أذكر مشهد والدتي وهي تعد الطعام للثوار الذين كان أبي واحدا منهم قبل أن يقضي شهيدا عام 1948 ولليوم لا أعرف أين دفن والدي لكن أعرف أنه قاتل دفاعا عن قريتنا صميل الخليل وغيرها من القرى".


غربة اللاجئ
إسماعيل عاش غربته متنقلا بين فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، وسكن مخيمات الفوار وعين السلطان في الضفة الغربية، والبقعة وإربد في الأردن، واليرموك في سوريا، ونهر البارد وعين الحلوة في لبنان.

وتابع "تأثرت كثيرا باستشهاد والدي وما كانت ترويه أمي من بطولاته مع الثوار قبل أن أخرج مع إخوتي لاجئا في مخيم الفوار ثم إلى عين السلطان الذي بدأت فيها علاقتي بالسياسة وتنظيماتها عام 1952".

ويسرد تفاصيل حكاية تنظيمه في الحزب الشيوعي على يد أحد ناشطيه، وقصة أول مظاهرة خرج بها في حياته هناك (..) وأول صحيفة قرأها في حياته تحوي أخبار فلسطين".

قصة حميدان مع الحزب الشيوعي دفعت به للاعتقال في الأردن في سجن الجفر ضمن حملة الاعتقالات التي طالت الشيوعيين والقوميين العرب في الأردن في الفترة من عام 1958 حتى 1966 ليخرج بعدها لحياة المطاردة التي قادته للهرب لسوريا.

وينقل بطريقة أشبه لما نراه في الأفلام حكايته مع اللجوء السياسي في سوريا وقتاله مجندا في جيشها في هزيمة 1967، وهي الهزيمة التي قال إنها دفعت به للإحباط لولا بارقة الأمل التي قال إنها قادته للأردن مجددا وعودته ناشطا في قوات الأنصار التابعة للحزب الشيوعي المقاتلة في صفوف الثورة الفلسطينية.

ويتحدث بألم عن أحداث أيلول الأسود عام 1970 والتي خرج على أثرها لسوريا هاربا من الأردن، ليلقى به في السجن هذه المرة لمدة 36 يوما أفرج عنه بعدها بقرار من وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس بعد تدخل مباشر من ياسر عرفات.

وينتقل حميدان بذاكرته للبنان التي عاش فيها سنوات الحرب الأهلية مقاتلا في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وقيادته لفصيل تابع لكتيبة أبو يوسف النجار ويحكي بابتسامة اللحظات البطولية التي عاشها في المعركة الكبرى التي حدثت بالقرب من البرج الشمالي جنوب لبنان والتي سقط فيها العشرات من الإسرائيليين كما يقول، وأسر فصيله لوحده أسيرين إسرائيليين أحدهما من أصل مغربي، ومن قصته مع الانشقاق على حركة فتح الانتفاضة وبقائه في لبنان في مخين نهر البارد حتى عام 1991.

"
"لم أندم للحظة على سيرة حياتي والشعب الفلسطيني يستحق مني كل ما فعلت (..) لكن شعبي ابتلي بقياداته التي أهلكته"
"
دموع
ولا تخلو حكاية السبعيني من لحظات إنسانية يسردها بذاكرته الحادة بكى وذرف الدموع حينما تذكرها، فالسجن في الجفر كما يقول قطعه عن زوجته وطفليه لثماني سنوات، والخروج من الأردن من عام 1970 حتى 1991 قطعه عن أولاده الذين غادرهم أطفالا صغارا ليعود ويراهم شبابا لم يعرفهم عندما رآهم لأول وهلة.

ولا ينسى الوفاء لزوجته التي قال إنها جاهدت معه وصبرت على فراقه وتربية أولاده بعيدا عن والدهم، كما لا ينسى لوعة أمه على الفراق الطويل عن ابنها، وحياته التي كانت على الدوام مهددة نتيجة الحروب وتناقضات السياسة.

ويقول "لم أندم للحظة على سيرة حياتي والشعب الفلسطيني يستحق مني كل ما فعلت (..) لكن شعبي ابتلي بقياداته التي أهلكته".

ويعلق على تصريحات للرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو ينتقد القوة التنفيذية التي شكلتها الحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) واعتبارها غير شرعية بالقول "ما الفرق بين كلامه والصواريخ الإسرائيلية التي تسقط على التنفيذية في غزة اليوم؟".

سيرة حياة الرجل تحمل في طياتها قصة شقيقه أحمد الذي استشهد في نابلس عام 2002، وشقيقه عبد الحليم الذي أقعده المرض بعد أن قاتل في صفوف الثورة الفلسطينية في لبنان.

المصدر : الجزيرة