أكاديمي فرنسي: تجربة المسلمين بأوروبا ترياق لصراع الحضارات
آخر تحديث: 2007/6/23 الساعة 22:14 (مكة المكرمة) الموافق 1428/6/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2007/6/23 الساعة 22:14 (مكة المكرمة) الموافق 1428/6/8 هـ

أكاديمي فرنسي: تجربة المسلمين بأوروبا ترياق لصراع الحضارات

كيبيل يعتبر أن الإسلام يتوفر على إمكانات التأقلم مع مجتمعات أوروبا (الجزيرة-نت)
 
اعتبر المختص بمسائل الحركات الإسلامية جيل كيبيل أن خلاص العالم الإسلامي سيأتي من تجربة اندماج المسلمين بأوروبا, وسيكون ذلك ترياقا لصراع الحضارات.
 
وقال في مقابلة مع الجزيرة نت بباريس إن الإسلام يملك إمكانات كثيرة للتأقلم مع مجتمعات أوروبا "التي باتت دار إسلام بعد أن كانت دار كفر".
 
ويعتبر عالم الاجتماع الفرنسي جيل كيبيل من أشهر المتخصصين في شؤون الحركات الإسلامية السياسية منها والجهادية, وأفرد لهذه الأخيرة أحد أشهر مؤلفاته "الجهاد".
 
وألف كيبيل العديد من الكتب حول وضع المسلمين في الغرب من أشهرها "ضواحي الإسلام" و"المعركة من أجل عقول المسلمين..الإسلام والغرب". وتطرق في هذا الحوار إلى وضع المسلمين في ضوء انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا لفرنسا.
 
   

هل حركت أحداث كليشي سو بوا المياه الراكدة في علاقة الدولة الفرنسية بالإسلام؟

لا علاقة للإسلام بالأحداث. تحدثت صحف أميركية من تيار المحافظين الجدد عن انتفاضة جهادية بفرنسا وركزوا على قنبلة مسيلة للدموع سقطت بمصلى تابع لجماعة التبليغ من غير نية. ما حصل مطلب اجتماعي وسياسي لاندماج أكبر وأعمق. أغلبية من شاركوا من أصل أفريقي. الشبان لم يمثلوا الإسلام وحتى المسلمين بشكل عام. كان بينهم مسلمون, لكن علاقاتهم بالأجهزة الدينية في فرنسا قليلة جدا. الحركة اجتماعية, ليست ضد الاندماج والنموذج الفرنسي بل العكس, بدليل أننا شاهدنا بعد الأحداث تسجيل عدد كبير من أفراد الجالية بقوائم الانتخابات للمرة الأولى بتاريخ الجمهورية الخامسة كمواطنين فرنسيين بشكل كامل. أغلبية الجالية التي وصلت من شمال أفريقيا من مواليد فرنسا وهم فرنسيون من البداية, لكنهم فرنسيون لهم خصوصيتهم في ثقافتهم العربية والبربرية والإسلامية.


 عن ماذا نتحدث بفرنسا: عن قيم فرنسية أم قيم جمهورية؟

أعتقد ألا فرق بين المصطلحين بالثقافة السياسية العامة. ما معنى القيم الجمهورية؟ أن يكون المواطن كأي مواطن آخر بغض النظر عن اللون والدين والجنس, وهو حلم التيار الجمهوري والعلماني ولكن هناك فرق بين الحلم والواقع.

 
 يدافع اليمين عن الثقافة الفرنسية, هل هناك ثقافة فرنسية أم أنها أصلا في إطار التشكل؟
 
تشكلت الثقافة الفرنسية في القرن 19 حين كانت فرنسا البلد الأوروبي الأول الذي هاجر إليه سكان من جنوب أوروبا الشرقية والشمالية بينما سكان ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا هاجروا إلى أميركا وأستراليا وأميركا الجنوبية. لذا الاندماج في الأصل خاص بالثقافة السياسية الفرنسية, والوافد يضيف للقيم الجمهورية الفرنسية. الرئيس من أصل أجنبي والشخصية المفضلة عند الفرنسيين زيدان, وهو ليس فرنسيا بالدم لكن بالانتماء. كثيرون من أصول شمال أفريقية أو أفريقية ترشحوا للانتخابات النيابية وللأسف لم يفز عدد كاف, لكن هناك نائب في مجلس الشيوخ من أصل مغربي.
 
 
كيبيل: لم تعد فرنسا "دار كفر" بل "دار إسلام", فالمسلم بات مواطنا (الجزيرة نت)

  لِمَ هذا الغياب؟
لأن التصويت بمجلس الشيوخ غير مباشر ويجري الاختيار بناء على توصيات الحزب, لكن بالانتخابات التشريعية يصوت الجمهور على من يريد, وأنا أعتقد أن الأحزاب لم ترشح الشبان الفرنسيين من أصل شمال أفريقي في أماكن مناسبة. أغلبهم كان مع ساركوزي, وللمرة الأولى هناك وزيرة منهم, هي وزيرة العدل وهذا رمز مهم جدا, فهي وزيرة كل الفرنسيين بغض النظر عن الاسم . الفرنسيون الجدد موجودون بكل مكان. هناك أساتذة بالجامعة ومحافظون ووزراء. لم نقم بالجهد الكافي, لكن أعتقد أننا نسير في الاتجاه السليم.
 
 هناك دعوة إلى إدراج الإسلام في سياق الجمهورية كما حدث مع اليهودية (دعا نابليون بونابرت في 1807 إلى "المجلس اليهودي الأكبر" وحضره حاخامات ووجهاء اليهود وأعلن الولاء الكامل للإمبراطور وبطلان جوانب التراث اليهودي المناقضة لواجب المواطنة) وكما يقول شموئيل تريغانو "كلنا مررنا من هنا", فلماذا يستثنى الإسلام؟
 
نعم, لكن عكس اليهودية التي كان عدد أفرادها أقل بكثير, واستعملت النظام التعليمي في عملية ارتقاء اجتماعي سريعة لأفرادها القادمين من أوروبا الشرقية وأخيرا شمال أفريقيا, لا يتعلق الأمر بالنسبة للمسلمين بالإسلام كإسلام بقدر ما يتعلق بوضع أفراده الاجتماعي. كانت الغالبية الساحقة من المسلمين المهاجرين أميين يشتغلون بالمصانع, عرفت فشلا اجتماعيا بسبب بطالة السبعينيات بعد ارتفاع أسعار النفط, وهنا حدث تزامن مع ظهور الهوية الإسلامية وانتشار يأس لدى سكان لم يعد لهم عمل, مما جعل المطالبة الإسلامية متفجرة. التقاء هذه النقاط جعل المطالبة بهوية إسلامية معقدة سياسيا مقارنة بالمطالبة بالهوية اليهودية لأنه في وقت ظهر فيه الإسلام كدين على الساحة السياسية كان هناك (الزعيم الإيراني الراحل) آية الله الخميني يدعو إلى النضال ضد الشيطان الأصغر والأكبر والناس خلطت كل شيء.
 
هل يمكن الحديث عن إسلام فرنسي؟
 
عندما نتحدث عن إسلام فرنسي فلنواجه الخطاب القائل بألا وجود لا لإسلام فرنسي أو بريطاني والإسلام واحد بكل مكان وزمان. ربما كان واحدا, لكن المسلمين يعيشون في ظروف مختلفة, وأنا أعتقد أن خلاص العالم الإسلامي سيأتي من أوروبا ومن الاندماج، ومنها سيأتي اندماجه في العصرنة وفي عولمة مفيدة. استمعت إلى خطاب مهم جدا للظواهري بعنوان أسباب الصراع بين الإسلام والكفر, بداية 2007 قال فيه إنه بلا قاعدة الجهاد سيبقى المسلمون عبيد الأوروبيين, وسيكونون في الصف الثاني في العولمة: الخيار هو بين قاعدة الجهاد هذه وبين شيء آخر يحدث هنا وقد سمح لأول مرة في تاريخ الإنسانية بأن يكون المسلم مواطنا حقيقيا في دولة ديمقراطية, لأنه لأسباب متنوعة لا توجد بنية ديمقراطية بالعالم الإسلامي.
 
هناك من يقول إن الإسلام لم يتعود على وضعية الأقلية, وحتى عند ما كان محتلا كان في وضعية الأغلبية؟
 
فعلا تجربة الأقلية معقدة, لكنها حدثت في الأندلس وصقلية.
 
لكنها كانت أقلية مسيطرة؟
 
نعم, لم تكن هناك تجربة حقيقية لأقلية غير مسيطرة لأن النصوص تدعو إلى الهجرة. يمكن الإقامة في "دار الكفر" مؤقتا لا بشكل دائم, وقد فكر الإسلاميون في فرنسا في الموضوع. حتى 1985 تركزت الدعوة على العودة إلى البلاد لقلب نظام الحكم, لكن بدءا من 1989 تغير الخطاب ولم تعد فرنسا "دار كفر" بل "دار إسلام", فالمسلم بات مواطنا, والنتيجة أنه قادر على تطبيق الشريعة فيما يخصه وهو ما يسمى بفكر الأقليات, والنتيجة أنه أصبح ينظر إلى أوروبا كدار إسلام, لكن ما لم يحسم هو هل ينظرون إلى أنفسهم كمواطنين أم كمسلمين. وحتى بفرنسا لفظ مسلم لا يعني شيئا, فلا أحد يمكنه أن يعرف إن كنت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ما لم تخبره, يمكنك أن تقول ذلك لكن لا أحد يستطيع إجبارك, فهو ليس من التزامات المواطنة. الشيء نفسه بالنسبة للمسلم: أحمد يمكن أن يعرف نفسه كمسلم, لكن أيضا كلاعب كرة قدم أو أستاذ, أو بلا دين, وهو ما يكرهه الراديكاليون من الإسلاميين, لأنهم يرونه محاولة أوروبية لتدمير الإسلام, لكن الحقيقة أنه مسعى لتدمير الإسلام الراديكالي الذي يمثلونه.
 
المسلمون تعلموا أن يعتبروا أنفسهم بدارهم, لكنهم يواصلون البحث عن سلطة أخلاقية بالخارج, بالقاهرة وإيران والسعودية؟
 
لأن السلطات الأخلاقية لمسلمي أوروبا لم تنجح في فرض نفسها رغم -وهذا هو الغريب في الأمر- انفتاحها على الثقافة مقارنة ببلدان أخرى. البحث عن سلطة أخلاقية بإيران يفعله الشيعة خاصة وهم قلائل بأوروبا, وقليل من المسلمين يبحث عنها بالقاهرة, والأكثر يبحث عنها بالسعودية وهذا يتعلق خصوصا بالسلفية: فربيعة المدخلي وهو سلفي تابع للدولة السعودية له تأثير بالضواحي الفرنسية لقلة الثقة بمؤسسات الإسلام الفرنسي لأنها لم تنجح في إعطاء انطباع بتحررها من مراقبة الدولة وقدرتها على التوصل إلى إنتاج ديني وثقافي كاف يعرف كيف يخاطب هؤلاء السكان. أعتقد أن هناك عجزا كبيرا في التواصل, فحتى الإخوان المسلمون فقدوا جزءا كبيرا من قاعدتهم.
 

"
هناك ألف طريقة لأقلمة الإسلام مع المجتمع, وحدث ذلك في الماضي, وهو سيتأقلم مع المجتمعات الأوروبية التي أدمجت اليوم وجود المسلمين داخلها وهو شيء يمكن تماما التفاوض عليه. ما يحدث بأوروبا وفرنسا اليوم ترياق لصراع الحضارات

"

ألم يعد الإسلام بفرنسا الحليف الموضوعي ليمين يبحث عن فكرة تحشد أنصاره حول فكرة هوية فرنسية مسيحية؟
 
نعم ولا في آن واحد. ساركوزي عندما أنشأ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية فكر في أنه بفضل "اتحاد المنظمات الإسلامية" سيجعل المسلمين الذين تعتبر ديانتهم محافظة يصوتون يمينا لصالح (الاتحاد من أجل حركة شعبية), وكان هناك عدد معتبر من المرشحين من أصل مهاجر مسلم على قوائم الحزب, لكن الاستطلاعات بعد الخروج من مراكز التصويت أظهرت أن 90% ممن يطلقون على أنفسهم مسلمين اختاروا رويال, و16 بايرو و1% ساركوزي. وهو شيء لافت للنظر لأن ساركوزي عندما تحدث عن التوقف عن ذبح الكباش في مغطس الحمام صدم الناس لأنه بدا أنه يتهم كل من يحمل اسم "أحمد". ربما فعل آباؤهم ذلك لأنهم لم يكونوا متعلمين, أما شباب اليوم من المواطنين الفرنسيين فيشترون اللحم الحلال بمراكز التسوق وهناك مذابح. لكن هذا الخطاب سمح لليمين بالقول "الوضع بات تحت السيطرة مجددا". وفي الوقت نفسه ساركوزي هو من عيّن داتي (رشيدة من أصل مغاربي) وزيرة (العدل). نحن لا نعرف درجة قناعتها الدينية. لكنها لا تشرب الخمر ولا تأكل الخنزير, ولا تخرق بعض القواعد الإسلامية.
 
ألا تساهم وسائل الإعلام في ابتذال النقاش, كما هو الشأن مع الحجاب عندما يقدم كرمز استعباد, في حين قد يكون رمز تحرر بالنسبة لمن هربن من تونس مثلا إلى فرنسا ليمكنهن ارتداؤه بكل حرية؟
 
هناك أشياء عديدة مختلفة بهذا النقاش. أولا فرنسا اتهمت كثيرا بالعالم الإسلام بأنها بلد فاشي بسبب قانون منع الرموز الدينية بالمدرسة الذي أتحمل مسؤوليته, فأنا كنت عضوا بلجنة ستازي وأيدت المنع الذي لا يقتصر على الحجاب, على أساس أن المدرسة العامة فضاء علماني يجد فيه الأطفال أوجه الشبه أكثر من أوجه الاختلاف. وبعدها يمكنهم الذهاب إلى مدرسة دينية. تجول لدقائق بأي مدينة وستقابل من واحدة إلى 300 محجبة, لا يبدين يائسات وإلا غادرن فرنسا. بعض الناس يقول إن الحجاب شكل من أشكال التحرر لأنه يسمح بالخروج من الإطار العائلي وبالدراسة والإفلات من سيطرة الأب والإخوة. قد يصلح هذا المنطق بالجزائر أو مصر, لكن بفرنسا مفهوم تحرر المرأة والحريات الفردية يسمح للبنت بالذهاب إلى المدرسة دون أن يضايقها الأولاد, وإذا حصل ذلك سترفع شكوى لدى المحكمة. لذا لا يمكن القول إن الحجاب أداة ضرورية لتحرر البنت. المجتمع وضع قوانين لحماية النساء خاصة من التحرش ولا حاجة للحجاب للقيام بذلك. نعتقد أننا نجهز مجموعة من الشباب لتدخل المجتمع الفرنسي وما كان يهمنا جعلهم يتقاسمون شيئا مشتركا, ولم نرد أن تكون هويتهم رهينة مجموعات سياسية دينية. كان من الواضح أنه بدءا من 1989 مع أول قضية حجاب نظر اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ومجموعات أخرى إلى الحجاب كوسيلة لبناء تأثير لهم. كانت حربا نظر إليها كحرب سياسية من طرفهم ومن طرف الحكومة.
 
 هناك من يقول إن بعض المنظمات تستعمل رموز الجمهورية دون اعتناقها؟
 
نعم عندما سير اتحاد المنظمات الإسلامية بنات حمل حجابهن ألوان الأحمر والأبيض والأزرق كان ذلك سخرية من الأقدار, لكنها تعني أيضا أنهم رغم كل شيء ملزمون بالمرور بهذه النقطة أي أن يقولوا إنهم يريدون الاندماج. ببريطانيا لم يحدث إطلاقا أن لبست إحداهن حجابا عليه العلم البريطاني "يونيون جاك". في وقت سير فيه اتحاد المنظمات الإسلامية بنات بالأحمر والأبيض والأزرق كان الحزب الإسلامي ببريطانيا يحرق العلم البريطاني أمام "10 داونين ستريت" للاحتجاج على اعتقالات.
 
ماذا تغير ببريطانيا؟
 
الشعور بأن سياسة الاستضافة في "لندونيستان" فشلت, فرغم أن أبا حمزة المصري وأبا قتادة الفلسطيني وأبا مصعب السوري كانوا يعيشون حياة لاجئ هادئة وقعت هجمات 7 يوليو/تموز, وبالتالي فإن الميثاق بين الأجهزة السرية والقياديين الإسلاميين المفترض فيهم حماية السلم الاجتماعي لم يعمل.
 
هل على الإسلام أن يغير خطابه أو على الدولة الفرنسية الانفتاح أكثر؟
 
داخل الإسلام هناك إمكانات كثيرة, ليس ضرورة أن يرهن الراديكاليون الإسلام, وأنا لا أخلط بين المسلمين وبين بن لادن. هناك ألف طريقة لأقلمة الإسلام مع المجتمع, وحدث ذلك في الماضي, وهو سيتأقلم مع المجتمعات الأوروبية التي أدمجت اليوم وجود المسلمين داخلها وهو شيء يمكن تماما التفاوض عليه. ما يحدث بأوروبا وفرنسا اليوم ترياق لصراع الحضارات.
 
هل جذرت هجمات 11 سبتمبر/أيلول الخطاب الإسلامي بفرنسا؟
 
فرنسا أول دولة أوروبية من حيث عدد السكان المسلمين (بين أربع وخمس ملايين), ورغم ذلك لم يقع هجوم منذ 11سبتمبر/ أيلول, لكن كان لأحداث الجزائر في التسعينيات أثر سلبي, لأن كثيرين هنا صنعوا حياتهم وشيدوا منازلهم واندمجوا مع أولادهم -رغم موجة كراهية الأجنبي وصعوبة الزمن والعنصرية- رأوا فجأة أن حرب الجزائر وآثارها في فرنسا تهدد كل جهودهم للاندماج في المجتمع الفرنسي.
المصدر : الجزيرة