شيخ يبيع ربطات العنق المستعملة (الجزيرة نت)

فاضل مشعل-بغداد

أحيل الحاج خليل (72 عاما) إلى المعاش قبل 10 سنوات بعد أن أمضى أكثر من (35) سنة في التدريس متنقلا بين قرى وأرياف ومدن العراق قبل أن ينحني ظهره ويجد أن سبل العيش سدت بوجهه فاضطر مع هزالة راتبه التقاعدي للتحول إلى بائع متجول يضنيه أن يراه بحالته المزرية الجديدة طلابه الذين أصبحوا وزراء ومسؤولين ووجهاء بلد.

"كنت أحلم -يقول الحاج خليل- أن يسد الراتب الذي تقرر منحه لي بعد 35 سنة من الخدمة في التدريس احتياجاتي واحتياجات الحاجة أم خليل, فظهر في ضوء الوضع ألمعاشي الحالي أنه لا يكفيني إلا لبضعة أيام فقط, ولذلك لجأت إلى الخيار الثاني وهو أن أكون بائعا متجولا فأصبحت أكسب دراهم إضافية حسنت من معيشتي, خاصة أن أولادي ما زالوا يتطلعون لمساعدتي في حياتهم المعاشية الصعبة أيضا".

يبيع الليف في سوق الشورجة (الجزيرة نت)
امتهان كرامة
بدورها، ترى السيدة نهى جرجيس توما -التي كانت تتوكأ على عصا وهي تهم بالدخول إلى البنك لاستلام راتبها التقاعدي الذي يصرف كل شهرين كما جرت عليه العادة في العراق للمتقاعدين- أن الراتب الذي تم تعديله منذ ثلاث سنوات لا يكفيها، فهي تعيش مع شقيقتها وراتبها يبلغ 600 آلف دينار أي ما يعادل 450 دولارا كل شهرين.

وأضافت توما وهي مديرة إحدى أهم المدارس الثانوية في بغداد وأحيلت إلى التقاعد قبل 12 سنة أنها تدفع من هذا الراتب نحو 80 ألف دينار لشراء أسطوانات غاز الطبخ وحوالي 500 ألف دينار شراء بنزين لمولدة الكهرباء الصغيرة التي لا أشغلها سوى ثلاث ساعات في اليوم فقط.

أما "الأكل والشرب فأنا أتحرج أن أقول كيف يتم تدبيره بشكل يومي، أرجوك أعفني عن هذا الجواب لأنه يمتهن كرامتي" قالتها السيدة توما وهي تكابر لمنع دمعة كادت تنحدر من عينيها وهي تتحدث للجزيرة نت أمام باب البنك.

رؤية إقتصادية
ويتفق الاقتصادي مالك سليمان بدر مع الإحصائيات الدولية التي قالت إن دخل الفرد العراقي هو الأقل في العالم ولا يتجاوز بضعة دولارات شهريا فيقول إن المشكلة أن الجوع عاد إلى العراق ومع الجوع كما هو متعارف عليه تعود العديد من الأمراض والآفات والظواهر السلوكية المنحرفة العديدة.

وأوضح أن العراق الآن من بين أكثر الدول فقرا في العالم، والسبب أن رجال الاقتصاد ومخططيه في البلد يريدون تحقيق المكاسب السياسية على حساب أي نتائج أخرى.

وأضاف أنهم يتخذون من الخطوات الاقتصادية التي تثقل كاهل المواطن وهم يعرفون أن النتيجة سيدفعها المواطن جوعا وحاجة ومرضا, مقابل إرضاء طرف دولي أو جماعة دولية اقتصادية كما حصل مع تنفيذ شروط البنك الدولي فيما يتعلق برفع أسعار النفط والبنزين وتوابعهما.

يرضون بما قل ليمضوا ما تبقى لهم من عمر (الجزيرة نت)
ورأى بدر أن الهدف كان سياسيا والمكاسب التي كان يفترض بالبنك الدولي أن يغطيها وتتعلق كما معلوم بمديونية العراق لا تساوى إطلاقا كرامة المواطن الذي يذل بشكل يومي وهي يركض للحصول على حاجاته الأساسية التي ارتفعت أسعارها بشكل هائل، فيما يسعى الاقتصاديون نحو هدف واحد هو رفع قيمة الدينار بأي ثمن كان وليس بالأسلوب الاقتصادي المتوازن والمدروس الذي يأخذ في الاعتبار ويقر بوجود أزمة سياسية واقتصادية في البلد.

أما الضابط السابق رجب مسلم الذي رفض كشف المهنة التي يزاولها في السوق حاليا فذكر أن هذا الوضع الاقتصادي المتذبذب دفع بالشيوخ إلى طلب العمل مجددا وكأن مشوار العمر الذي مضى غير كاف، مشيرا إلى أن الفرد أصبح يقبل بأي نوع من أنواع العمل يكسب منه بضعة دراهم يحفظ بها كرامته.

وقال "هذا أبو سهيل يلف الكوفية على وجهه لئلا يعرفه أحد ويتجول في سوق الشورجة وهو يبيع معجون الأسنان, أما نعمة طالب الذي كان قبل 20 سنة من أصحاب الوظائف الرفيعة فقد أصبح يعرض في السوق أنواعا من المساحيق المنزلية... وهلم جرا.

ولكن مدرسا سابقا للغة العربية في الإعدادية المركزية إحدى أهم المدارس في بغداد -الذي اعتذر عن الافصاح عن اسمه- يصف حالة لجوء كبار السن إلى العمل مهما كان نوعه بقوله "لقد أخذنا وقتا إضافيا من العمر المتبقي, لا يهم أن نعمل أي شيء، المهم أن نحافظ على الكرامة.. الذي يهم ويؤلم.. أن نحتاج .. أن نجوع.

المصدر : الجزيرة