غالبية سكان باربيس من المهاجرين العرب والأفارقة (الجزيرة نت)

إلياس تملالي-باريس

الوجوه السمراء في مطار شارل ديغول كثيرة, بل تكاد تكون الغالبية يوم وصلت إلى باريس: آلاف من أفريقيا ومن آسيا يتدفقون على بلد قد يغلق أبوابه بإحكام في وجه هجرة يريدها رئيسه الجديد "منتقاة لا مفروضة", حتى وإن كان هو وليدَ هنغاريا من حيث أتى به أبوه وهو طفل صغير.

حسين التاميلي الهندي المسلم الذي جلس إلى جانبي على متن الطائرة, تاجر مجوهرات في حي "لاغار دو نور" جاء إلى فرنسا منذ 15 عاما، وهو لا يبدو مرتعبا لانتخاب ساركوزي, بل يراه الحل الأمثل لوقف هجرة باتت تؤثر في رأيه على من يكدح في سبيل العيش.

قال لي حسين إن كثيرا من المهاجرين خاصة من شمال أفريقيا عنيفون جدا, وأردف وهو يعتذر مسبقا وقد عرف جنسيتي أن الجزائريين يأتون في المقدمة, وأن انتشار الشرطة الكثيف عندما كان ساركوزي وزير داخلية حوّل -مثلا- حي باربيس إلى مكان آمن.

بالنسبة لحسين الذي جاء من بريطانيا -محطة هجرته الأولى من الهند- لأن العنصرية في فرنسا أقل, كثير من المهاجرين يتكبرون على الأعمال الصغيرة، ويفضلون العيش على الضمانات الاجتماعية التي يتلقاها بعضهم أكثر من مرة بمجرد تسجيل نفسه في أكثر من بلدية.

غير أن هذا الخطاب به كثير من المبالغة كما يقول حسين برادي المحامي في قضايا الهجرة, فمن يلجؤون إلى التحايل -إضافة إلى أن التحايل لا يقتصر بالضرورة على المهاجرين- أقلية ولا يؤثرون على الاقتصاد الفرنسي، وكان يجب بدل التركيز عليهم حمل كبار الأثرياء على دفع ضرائب أكبر.

خطاب خبيث
ويصف برادي خطاب ساركوزي في حديثه عن الهجرة المنتقاة "بالخبيث" وأنه خطاب كان يمكن أن يكون صالحا لو تعلق الأمر بدولة أخرى غير فرنسا المستعمرة التي لها علاقاتها مع الدول التي احتلتها سابقا, من حيث نقلت أجيالا وأجيالا إلى الأراضي الفرنسية لإعادة بنائها بعد الحرب العالمية الثانية.

انتشار أمني كثيف في باربيس (الجزيرة نت)
ومع ذلك فإن خطاب حسين يردده كثير ممن استطاعوا الاستقرار في فرنسا وتسوية أوضاعهم, فقد أظهر مثلا استطلاع للرأي نشرته لوفيغارو عام 2003 أن 55% من المسلمين –الديانة التي ينتمي إليها غالبية المهاجرين- يؤيدون سياسة أكثر صرامة في مكافحة الهجرة السرية.

خطر أن تتحول كل كلمة نطق بها ساركوزي إلى سياسة ممنهجة متشددة جدا مع المهاجرين تتفاقم مع هزيمة في الانتخابات التشريعية ارتسمت ملامحها في المعسكر الاشتراكي, ما يعني انهيار سد من شأنه تعطيل مشاريع قوانين قد يطرحها اليمين في البرلمان.

لا يقول ساركوزي ما كان يقوله جان ماري لوبن "أحب العرب لكن في بلادهم", لكنه يقول إن على كل مهاجر أن يلتزم بصرامة بقيم البلاد, وأحدث مفاجأة عندما أنشأ وزارة للهوية والهجرة لأن هوية فرنسا -الغالية؟- باتت مهددة وبات بعض مسؤولي فرنسا الرسمية -المتطرفة في فصل الدين عن الدولة- يذكرون بهويتها الكاثوليكية.

لوبن أكثر ذكاء
كثير من المهاجرين يرون في ساركوزي الشخص الذي كرس أطروحات أقصى اليمين, حتى وإن هزم هذا التيار هزيمة منكرة في الاقتراعين الأخيرين, والرئيس الجديد كما تقول نعيمة -وهي مغربية تملك محلا لبيع الأقمشة- "لوبن.. لكن أكثر ذكاء".

غير أن اتفاق أغلب المهاجرين على التصويت يسارا لا يعني بالضرورة اتفاقهم على رفض سياسات ساركوزي كلها في التعامل مع الهجرة خاصة السرية منها, فمالك مثلا الذي غادر الجزائر بداية التسعينيات مع بداية أعمال العنف هناك يرى أن القادمين الجدد -مع تقلص فرص العمل- يضيقون على أمثاله, ويتساءل "ما فائدة أن تأتي بملايين الناس إلى فرنسا إذا كانوا لا يستطيعون تدبر أمورهم".

بعض هؤلاء -يردف مالك- "لا يريد الاندماج بل ولا يتعلم الفرنسية بعد عشر سنوات كاملة", وكلها أشياء تفاقم -حسب قوله- العنصرية ضد الأجانب.

غير أن كريم لا يؤيد ساركوزي من باب الامتنان أو لأنه حصل على مكانه في فرنسا ولا يريد من يزاحمه, "ففرنسا بقيت في الجزائر 132 عاما وأنا أعتقد أن من حقي أن أكون هناك, فوالداي كانا في فرنسا, وأبي خاض الحرب العالمية الثانية دفاعا عن فرنسا.. وهي بالتالي لا تفعل من أجلي أي شيء".

المصدر : الجزيرة