هل ستصبح اليابان شريكا جديدا في عملية السلام؟ (الفرنسية-أرشيف)

يبدو أن طريق الفلسطينيين إلى بكين بات يمر عبر طوكيو, فعلى خطى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قبل عامين يصل وزير الشؤون الخارجية زياد أبو عمرو إلى بكين قادما من اليابان أيضا.
 
خطوة فلسطينية قد لا تروق كثيرا الصديق الصيني القديم الذي يعي تماما خفايا الاهتمام الياباني في الشرق الأوسط ويرى فيها منافسة حقيقية لدوره وحتى لمصالحه وربما لوضعه الإقليمي والدولي.
 
لكن ومع هذا ما يزال من المبكر الحكم على ما إذا كان الجانب الفلسطيني يعي تماما أهداف وخفايا الانخراط الياباني الذي بات واضحا في شؤون المنطقة وتحديدا منها الشأن الفلسطيني، أو بأنه بات جاهزا للعب بورقة التنافس الصيني الياباني والاستفادة منها في حث الصين على العودة إلى تفعيل دورها الغائب سياسيا واقتصاديا بل وحتى معنويا خلال السنوات الأخيرة، في وقت شهدت فيه تلك السنوات سعيا يابانيا حثيثا نحو المنطقة وقضاياها.
 
فاليابان بدأت بتحسين صورتها التي اهتزت لدى بعض دول المنطقة وقامت بسحب جنودها الستمئة من العراق مباشرة بعد انتهاء مهتهم التي استمرت عامين وأبقت على نحو مئتين منهم في الكويت.
 
بعد ذلك جاءت جولة رئيس الوزراء الياباني شنزو أبي إلى المنطقة في أبريل/ نيسان الماضي مباشرة بعد زيارته إلى واشنطن، وشملت أربع دول خليجية هي السعودية والكويت والإمارات وقطر بالإضافة إلى مصر.
 
الزيارة لم تكن لمجرد تأمين 90% من واردات اليابان النفطية حتى وإن كان ذلك عنوانها الرئيسي, في الوقت الذي يزداد فيه الطلب على هذه السلعة الإستراتيجية من قوى إقليمية منافسة لليابان كالهند والصين وكوريا الجنوبية.
 
وجولة شنزو أبي في المنطقة لا تنحصر كذلك في تعزيز الدور التجاري والاقتصادي لليابان في الأسواق العربية رغم أهمية ذلك ورغم مرافقة أكثر من 140 من كبار رجال الأعمال اليابانيين لرئيس وزرائهم في جولته تلك.
 
اليابان أعلنت في حينه بوضوح أهدافها على لسان رئيس وزرائها ووزير خارجيته تارو أسو بأن "الزيارة تدشن لعصر جديد في علاقة اليابان بدول المنطقة، وأن لطوكيو دورا خاصا تلعبه في عملية السلام في الشرق الأوسط، وهي مستعدة لأن تصبح شريكا سياسيا واقتصاديا".
 
دور سياسي
إذاً هو دور سياسي، ولكن ما الذي يمكن أن تجنيه اليابان من وراء انخراطها في أزمة مزمنة ومعقدة ومتعثرة كأزمة الشرق الأوسط؟ وما هي أدوات اليابان للعب مثل هذا الدور السياسي؟
 
اليابان كانت أعلنت نيتها تمويل عدة مشاريع إستراتيجية في المنطقة كإنشاء مطار أردني إسرائيلي مشترك في العقبة ومنطقة صناعية زراعية في أريحا ومد خط قطار حديدي بين بيسان وإربد ومد قناة مائية بين البحرين الأحمر والميت، بالإضافة إلى مشاريع زراعية وسياحية أخرى وتأهيل الكادر الحكومي للسلطة الفلسطينية.
 
اليابان تبدو وسيطا مقبولا لدى طرفي الصراع فهي أكبر الدول المانحة للسلطة الفلسطينية من حيث حجم المساعدات والقروض، وهي كذلك ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل وصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى أكثر من ملياري دولار.
 
واليابان كذلك تبدو وسيطا مقبولا لدى معظم الأطراف المعنية الأخرى أو اللاعبين الأساسين من ذوي الحل والعقد في القضية، بل إن بعضهم يطلق عليها اسم "الوسيط النزيه".
 
فواشنطن التي تسعى إلى تحسين صورتها المتدهورة في الشرق الأوسط تحتاج إلى تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض كتحسين الأوضاع المعيشية والإنسانية للفلسطينيين وإنقاذ الاقتصاد الفلسطيني المدمّر.
 
وذلك يتطلب إيجاد ممولين كبار في وقت تعاني فيه واشنطن من تكاليف حربها الباهظة في العراق وفي وقت لم تعد فيه دول الخليج قادرة على الدفع بسخاء. وهنا يبرز الدور الياباني القادر على القيام بذلك دون حدود.
 
تعثر السلام
وفي ظل تعثر العملية السلمية أو اندثارها, وعجز المجموعة الرباعية عن القيام بواجباتها, وفي ظل الشلل الحاصل في مجلس الأمن وتقاعس قوى أخرى عن القيام بمسؤولياتها الدولية كالصين وروسيا والاتحاد الأوروبي, تبدو الأبواب مشرعة أمام طوكيو كوسيط محايد يتمتع بعلاقات طيبة مع طرفي النزاع ولا يجد ممانعة من أي من القوى الإقليمية.
 
والأهم من هذا يمتلك جميع الأدوات الاقتصادية والمالية الكفيلة بإنجاح مساعيه والظهور بمظهر من لا هم له سوى تحقيق السلام.
 
وهنا مربط الفرس, فإن هذا السلام إذا تحقق أو حتى إذا تحرك فإن الدبلوماسية اليابانية تكون قد ضربت ضربتها وتوجت نفسها كقوة دولية صانعة للسلام في أكثر القضايا الدولية تعقيدا.. قضية الشرق الأوسط.
 
وتكون بذلك قد ألقت عن كاهلها أعباء تاريخها الاستعماري الذي ظل يلاحقها منذ عقود ويحول دون عضويتها في مجلس الأمن الدولي، وهي إحدى الأولويات الكبرى للدبلوماسية اليابانية وحلم طوكيو الذي ترغب في تحقيقه حتى لو كان دخوله عبر بوابات الشرق الأوسط وطرقه الوعرة.
 
وهذا ما قد يقلق بكين ويضعها أمام وضع صعب وهو القيام بواجباتها الدولية باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، وإلا فإن غيرها سيقوم بذلك بكل سخاء.

المصدر : الجزيرة