معظم القبور بإسطنبول تقام وسط غابات وحدائق (الجزيرة نت)
 
 
إسطنبول مدينة تاريخية عريقة يظهر فيها الماضي والحاضر جنبا إلى جنب، دون أن يشكل ذلك شذوذا أو تناقضا في الصورة، فعراقة المدينة لا تكتمل إلا بحضور التاريخ إلى جانب الجغرافية.
 
وتحظى القبور بأهمية خاصة في المدينة اعتبارا لمكانتها التاريخية، الأمر الذي جعلها حاضرة في قلب المدينة، وبأحيائها السكنية دون القيام بنقلها إلى أطرافها أو خارجها لاعتبارات هندسية أو جمالية، أو تحقيقا لمتطلبات تخطيط المدن العالمية الكبرى.
 
ولا سلطة للدولة أو البلدية في إسطنبول على القبور، ولذلك فإنه ليس غريبا أن تشاهد قبرا لأحد الصحابة أو الأولياء يتربع في قلب أحد الشوارع الرئيسية بالمدينة، والحل الوحيد أمام البلدية هو أن تقيم سورا حول القبر يحفظ له هيبته ويمكن زائريه من قراءة الفاتحة لمن يرقد فيه، دون أن يشكل ذلك عائقا أمام حركة المرور.
 
ومن الطبيعي جدا أن تشاهد القبور بين بيوت المدينة وفي أزقتها وأسواقها وبجوار المطاعم والمتنزهات والحدائق العامة، ويكاد لا يخلو أي من مساجد المدينة من مقبرة كبر حجمها أو صغر.
 
قدسية واحترام
وسكان إسطنبول لا يخشون السكنى قرب القبور كما هو الوضع في معظم مدن العالم، بل إن للقبور مكانة وتقديرا لدى الأحياء من سكانها لا تضاهيها مكانة وهم يتبركون بها.
 
وتنتشر عادة زيارة القبور في العطل الأسبوعية والأعياد بين الكثير من أهل المدينة، خاصة قبور الصحابة والخلفاء العثمانيين لقراءة الفاتحة على أرواحهم.
 
قبر السلطان عبد الحميد الثاني يعتليه الطربوش (الجزيرة نت)
ومن أطرف عادات سكان إسطنبول أنهم يلبسون الأطفال قبل يوم من ختانهم ثيابا تشبه ثياب السلاطين ويمسكونهم صولجانا، ويصطحبونهم لزيارة أضرحة الصحابة ويقرؤون الفاتحة على أرواحهم.
 
ويفعلون ذلك أيضا مع العروس في يوم زفافها طلبا للبركة والتوفيق رغم ما في ذلك من محاذير دينية وشبه عقائدية، إلا أن حرمة جسد الميت تتحول لدى الأتراك إلى احترام مبالغ فيه.
 
ومعظم المقابر تقام وسط غابات وحدائق غناء، ويعلق على ذلك أستاذ الشريعة في جامعة مرمرة بإسطنبول الدكتور سليمان ديرن بقوله إن "بيوت الأموات في مدينتنا أجمل من بيوت الأحياء".
 
الأموات مقامات
وتعتبر القبور وجمالها موضع اهتمام أهل إسطنبول منذ أيام الخلافة العثمانية. وتجسيدا للاهتمام بها وبمظهرها نشأ في عهد الدولة العثمانية ما يعرف باسم "فن حجر الشاهد"، وهو عمودي الشكل مصنوع من المرمر ويكتب فيه اسم المتوفي وسنة ميلاده ووفاته، وآية قرآنية وطلبا من زائريه أن يقرؤوا الفاتحة على روح ساكن القبر.
 
ويكتب كل ذلك بالحرف العربي والخط الفارسي أو الديواني مع زخارف نباتية وليس هندسية، ويوجد على رأس الشاهد تاج يختلف شكله حسب جنس المتوفي إن كان رجلا أم أمراة، فإذا كان التاج مزركشا فهو لامرأة، وإذا كان يعتليه طربوش فهو لرجل من موظفي الدولة أو العسكر الذين كانوا يسمون بالزمرة السيفية. وإذا اعتلى الشاهد عمامة فهذا يعني أن المتوفي عالم دين أو ما يعرف زمن الخلافة العثمانية بالزمرة القلمية.
 
ولكن بعد قيام الجمهورية التركية وتغيير شكل الحروف من العربية إلى اللاتينية مات فن حجر الشاهد ولم يعد يرسم عليه أية زخارف، ولكن بقيت مع ذلك الآية القرآنية حاضرةً عليه.
 
وبعض المقابر الضخمة -التي يرقد فيها الخلفاء العثمانيون أو الأولياء الصالحون- يصل سعر متر الأرض فيها إلى مبالغ باهظة، لذلك فالأثرياء فقط هم الذين يستطيعون أن يحجزوا قبرا لهم بجوار الصالحين والحكام.
 
وتبقى الطبقية التي تميز مجتمعات القرون الوسطى -ومنها المجتمع العثماني- حاضرة في مقابر إسطنبول، وتظهر في حجر الشاهد أو السور المحيط بالقبر أو حجم القبة التي تعلوه، ما كان يمثل فنا قائما بذاته في العصر العثماني.

المصدر : الجزيرة