ديمة طهبوب (زوجة الشهيد طارق أيوب)

أكملت فاطمة بحمد الله الخمسة أعوام لم يشهد أبوها منها سوى سنة وثلاثة أشهر، أما هي فلم تشهده حقا إذ كانت لا تزال طفلة رضيعة عند استشهاده ولم يبق في ذاكرتها منه سوى الصور التي تراها الآن فتؤكد لها وجوده في حياتها وأنه كان يحبها ويلاعبها ويطعمها وأنه أكثر من اسم يلي اسمها تتبعه باسم القناة التي كان يعمل بها وبلده، فإذا سألها أحد عن اسمها أجابت: فاطمة طارق أيوب-الجزيرة-عمان.

حاولت مرارا أن أُفهمها أن الجزيرة ليست من اسمها وأن اسمها ينتهي باسم عائلتها ربما لحزن غير مبرر يلازمني كون طارق قتل أثناء عمله كمراسل للقناة، ربما لحزني كلما رأيت صورته تطل عليها كأحد من دفعوا الثمن بالروح إعلاء للحقيقة، كأحد الضحايا لا كأحد المراسلين.

حاولت أن أُفهم فاطمة أنها فاطمة طارق أيوب وحسب، ولكنها أبت إلا أن تنتمي للجزيرة، أصيلة كأبيها الذي يجري دمه في دمائها فيعلمها -كما كان يؤمن رحمه الله- أن الحر من راعى وداد لحظة فكيف بها وهي لحظات وساعات وسنين من العمل والإنجاز وثقت عراها وختم لها بالدم والتضحية، فهل ستعي الجزيرة هذا وتنهض لتطالب بدم ابنها وهي التي وفت في كل أمر إلا السعي لمحاكمة من قتلوا طارق؟

كلما كبرت فاطمة أصبحت مهمة ربطها بأبيها أصعب، فهي الآن لم تعد تكتفي بالقصص والحكايا، بل أصبحت تريد أن ترى أباها وكيف كان يدرس ويلعب ويعمل، طفلا وصبيا وشابا.

أصبحت ألبومات الصور في بيتنا وبيت جدها شغلها الشاغل، وإذا جاءنا ضيوف سارعت بإخراجها لتريهم إياها وأخذت تشرح لهم عن الصور بحماسة وانفعال وكأنها عايشت كل صورة منها والتقتطها بنفسها ومن حولها سعداء بتعبيراتها، ولكني كنت أسمع داخلها يقول: والله لدي أب، والله عندي أب مثلكم وهذا الدليل حتى تصدقوا، ليس كذبة ولا خيال مع أني لا أستطيع إمساكه أو رؤيته عيانا.

منذ شهر، أردت أن أري فاطمة صورنا معا كعائلة.. أنا وطارق وهي حتى تدرك أننا ننتمي لبعضنا بأكثر من الأسماء والحكايات. أريتها صور عرسنا فتفاعلت بشدة وأضحكتني تعليقاتها: يا سلام بابا عريس حلو، ربطه حمرا، يا سلام ورد كثير، لماذا ليس في الصور رجال إلا بابا أين جداي وأعمامي وأخوالي؟

ثم بدأت الأسئلة الطفولية: أين صورتي؟ أين كنت؟ هل كنت نائمة؟ لماذا لم تأخذوني؟ على كثرت ما حضرت فاطمة من أعراس وشاهدت من عرسان، إلا أنها كانت أول مرة ترى فيها صورة أبيها عريسا.

كنت أريد أن أنسيها ولو لبرهة الصورة التي تحفظها وتميزها من بين آلاف الصور، الصورة التي كلما رأتها في التلفاز نادت وأشارت بيدها: ماما.. بابا. صورة أبيها محمولا في بطانية مضرجة بدمائه.

فكرت أن جل معرفتها بأبيها عن طريق الصور فلم لا أختار الصور المشرقة؟ ألا يكفي طفولتها قتاما ودموية فقدها أبيها؟ ليس أقل إذن من أن أبقي صورته في مخيلتها عريسا، جميلا، مبتسما، لا شهيدا قتيلا محمولا على الأكتاف.

وإلى جانب الصور أصبحت فاطمة تتقن وضع الأشرطة في جهاز الفيديو فتشاهد نفسها طفلة صغيرة سعيدة تتلقى جائزة الصحافة العربية عن والدها والحضور وقوف يصفقون لها وهي تضحك وتصفق معهم، على ماذا لا تدري، وأظنها حتى الآن لم تستوعب أنها كرمت نيابة عن أب فارق الحياة لن تعوضها جوائز العالم وتقديره عن وجوده إلى جانبها.

لقد أدركت أن فاطمة لم تدرك بعد شدة مأساة فقد أبيها ولكنها تفهم أنه غير موجود في حياتها وتفهم أنها وبعض زملائها في المدرسة أيتام وأن زملاءها الآخرين لهم آباء.

ستنفذ الصور ذات يوم ولن يعوض تكرار رؤيتها عن الحاجة إلى صاحبها، صاحبها الذي مرت أربع سنوات على استشهاده دون أن يدافع عنه قريب أو بعيد أو يطالب أحد بدمه ويساندنا في دهاليز "العدالة" الأميركية التي يبدو أن طريقنا إليها مسدود، مسدود، مسدود.

أما فاطمة فلا أخاف عليها ولو نفذت جميع الصور ذلك أن الله سبحانه وتعالى أرحم وأرفق بها من جميع خلقه، ما هذا الإشفاق والمحبة التي أكنها لها إلا ذرة في جناب رحمته سبحانه، وإني لأرجوه أن يقتص لها ولنا ممن جعلوا صورنا تنقلب من جمال الاحتفاء بالحياة والعائلة والشباب والإنجاز إلى سوداوية القتل والفقد والظلم واليتم، وأن يشفي صدورنا بالعدل وإحقاق الحق في قريب عاجل.

المصدر : الجزيرة