سوق الشورجة تتوسط بغداد وتعرضت لتسعة تفجيرات وأربعة حرائق (الجزيرة نت)

فاضل مشعل-بغداد

اتكأ عبد الرسول سلمان البالغ من العمر 88 عاما على أحد أولاده الثلاثة وهو يجلس في ركن من دكانه القديم بسوق الشورجة وسط بغداد الذي اشتراه والده مطلع عشرينيات القرن الماضي وهو يقول إن التفجيرات التي طالت السوق والحرائق التي أتت على الأخضر واليابس لم تمنعه من التردد عليه كل صباح. وأضاف "أموت حين لا أسمع ضجيج الناس فيه".

هذا الدكان القديم الذي رفض الحاج التقاط صور له يشترك في إدارته حاليا تسعة من الأحفاد لثلاثة أولاد وابنتان استمروا يجهزون أصابع العروس والملبس وبقية أنواع الحلوى البغدادية القديمة بعد أن يشتروها من صناعها البغداديين ليبيعوها بالجملة للمشترين من بقية مدن العراق. 

تاريخ حافل
ويقول الحاج سلمان للجزيرة نت وهو يحتسي "أستكان" الشاي: لا أحد يعرف أول عملية بيع وشراء تمت في هذه السوق, ولكن خان مرجان الذي يقع في نهاية السوق كان ثكنة لمبيت الجنود الأتراك نهاية القرن الـ17 ثم أخذ يستقبل قوافل التجار القادمين إلى الشورجة من كافة أنحاء العراق بعد أن غادره الجند نحو منطقة السراي بالقرب من "قشلة" الحكومة وتحول إلى مطعم فاخر في سبعينيات القرن الماضي. هذا الخان ظل شاهدا على أن التجار كانوا يرخون إبلهم وحميرهم ويمضون فيه أياما وهم إما بائع أو مشتر.

وأضاف الرجل الطاعن في السن الذي ولد في زقاق يؤدي من السوق إلى منطقة الصدرية التي فقدت نحو خمسمائة قتيل من سكانها في تفجيرات انتحارية خلال الشهور الماضية، أن سوق الشورجة كانت بداية مشوار الرحلة في طريق الحرير من بغداد فالبصرة ليمر بدول وعوالم كثيرة قبل أن يصل إلى الهند ثم منها يواصل المشوار إلى الصين.

ويتذكر الشيخ سلمان حكايات قديمة عن السوق مثل خسارة مطرب المقام العراقي الكبير الراحل محمد القبانجي -وكان أحد كبار التجار في السوق في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي- لكميات من الحنطة والشعير في مضاربة تجارية معروفة لدى تجار السوق القدامى مرددا أبيات الشعر التي هجاه بها الشاعر البغدادي ملا عبود الكرخي.

وروى حكايات أخرى عن تجار أسواق ملحقة بسوق الشورجة وتعد فروعا له مثل سوق حنون وسوق دودو وسوق دانيال وسوق البرزازين وعكد النصارى حتى شارع النهر الذي كان في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ملتقى العشاق من أهل بغداد إذا ما أرادوا النزول من الطابق العشرين حيث الكازينو الذي يطلون منه على كل بغداد من عمارة الدفتر دار وهي أسواق لها حكايات يتلذذ الرجل بروايتها لو سمح له أولاده وأحفاده بالمزيد من الكلام.

حقيقة مرة
تغيرت الأحوال في هذه السوق كثيرا، يقول سمير أحد أحفاد الشيخ سلمان بأسى "كل يوم نخسر فيه كميات من رأسمالنا مرة في حريق ومرة في تفجير انتحاري ومرة بسقوط قذائف هاون ولا ندري ماذا نفعل لقد توقف معظم زبائننا من المحافظات عن التسوق ونحن لا نبلغ الحاج بالحقيقة المرة لخوفنا على صحته".

وتذكر الحاجة أم نجم للجزيرة نت أن مناسبات الأعياد لأهل بغداد تبدأ بالتسوق من الشورجة حيث يشترون احتياجاتهم الغذائية شهريا من محلات الجملة التي تكون عادة أرخص من المفرق، كما أن احتواء سوق الشورجة على جميع مستلزمات المطبخ التي يستوردها التجار من كل دول العالم تغني أهل بغداد عن البحث عنها في أسواق أخرى. 

أما المهندس المدني رحيم محمد كاصد فلفت إلى موقع السوق المتميز الذي يتوسط بغداد تماما وذكر أن نمط البناء في السوق تغير كثيرا عما كان عليه خاصة بعد أن توسع من مساحة تبلغ نحو خمسة كيلومترات مربعة مطلع القرن الماضي إلى مساحته الحالية التي أخذت نصف شارع الرشيد ونصف شارع الجمهورية ونصف شارع الكفاح.

وحول عمليات البيع والشراء قال منذر جاسم صاحب كشك لبيع زيت الطعام في السوق إن كبار التجار فروا إلى الخارج خوفا على حياتهم من عصابات السلب والاختطاف ومعظم الموجودون حاليا هم أما وكلاء يبيعون ويشترون بالنيابة عن التجار الكبار أو مؤجرون أو حراس.

وذكر أن أسواقا أخرى مثل سوق جميلة وغيرها من أسواق الجملة أخذت تنافس الشورجة التي أصبحت الهدف الأول الكبير للعمليات المسلحة حيث طالته تسعة تفجيرات وأربعة حرائق كبيرة بلغت خسائرها ملايين الدولارات. 

المصدر : الجزيرة