الأزمة الداخلية والصراع الخارجي يعكر الاستقرار السياسي بأوكرانيا (الفرنسية)

رؤى زاهر

شهدت ساحات العاصمة الأوكرانية السبت مظاهرات احتشد فيها آلاف الأشخاص من مؤيدي دعوة الرئيس الأوكراني فيكتور يوتشينكو لحل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة، ومعارضيها من أنصار رئيس وزرائه فيكتور يانكوفيتش، مما قد يفضي لأزمة دستورية جديدة.

فيوتشينكو الموالي للغرب وواشنطن يتهم يانكوفيتش الموالي لروسيا بتوسيع الائتلاف البرلماني الداعم لحكومته بـ"طريقة غير دستورية" عبر سعيه للحصول على تأييد 50 نائبا من المعارضين الموالين للغرب أيضا، في محاولة لرفع رصيده تمهيدا للانتخابات التشريعية المقررة في مايو/أيار المقبل.

وإذا حصل ائتلاف يانكوفيتش الذي يحظى بدعم 250 من أعضاء البرلمان حاليا على هذه الأصوات، سيكون بمقدوره إدخال تعديلات على الدستور وتجاوز أي فيتو رئاسي.

لكن يانكوفيتش نفى هذه الاتهامات وعزا دعم النواب له لسياسة حكومته الصحيحة في إدارة البلاد كونه يرفض معاداة الجارة روسيا، وفي نفس الوقت لا يعارض التوجه نحو الغرب وأميركا، علاوة على برنامجه الاقتصادي الناجح خلال توليه رئاسة الوزراء عام 2002 في عهد الرئيس السابق ليونيد كوتشما.

وكمخرج من الأزمة، كرر رئيس الدولة طلبه من الرادا (البرلمان) تمرير قانون بشأن التفويض الإلزامي لأعضاء البرلمان يمنع النواب من الانتقال من معسكر سياسي إلى آخر، غير أن رئيس الوزراء رفضه وقال إنه سيتجاهله تماما.

يوتشينكو تعرض لعدة هزات منذ توليه الحكم بعد الثورة البرتقالية (رويترز-أرشيف)
أزمة الديمقراطية
مراقبون فسروا موقف يوتشينكو بأنه معاناة من تلك الديمقراطية التي أتت به للسلطة عقب ما عرف بالثورة البرتقالية نهاية عام 2004 ثم اضطرته لقبول تعيين خصمه اللدود يانكوفيتش في رئاسة الوزراء عقب تقدمه بالانتخابات التشريعية في مارس/آذار الماضي، وفشل حلفاء الرئيس في تشكيل حكومة ائتلافية.

تعيين حليف موسكو باعد الفجوة بين الرئيس الأوكراني وحلفاء الثورة البرتقالية الذين اعتبروا أنه ضحى بهم وبأنصاره وباع مبادئ الثورة وأهدافها من أجل منصبه في الرئاسة.

تلك الفجوة سبق أن اتسعت عقب إقالة يوتشينكو رفيقة الأمس ويده اليمنى يوليا تيموشينكو من منصبها في رئاسة الوزراء بعد ثمانية أشهر بسبب انقسام أعضاء حكومتها إلى معسكرين اتهم كل منهما الآخر بالفساد.

ولم تكن تلك الهزات الوحيدة ليوتشينكو حليف الولايات المتحدة التي يحمل جنسيتها، فقد أخفق في تحقيق وعوده للمواطن الأوكراني وتعرضت أوكرانيا لانخفاض حاد في النمو الاقتصادي منذ توليه الحكم وازداد الشعور بالإحباط إزاء استمرار مشاكل البلاد.

صراع القوى
لكن أبعاد الأزمة في أوكرانيا -بحسب محللين- تتجاوز السلطة والصراع الداخلي إلى صراع القوى الخارجية الذي لم يعد بخاف على أحد بين معسكر الغرب ممثلا بالولايات المتحدة ومعسكر الشرق ممثلا بروسيا.

فأوكرانيا تكتسب أهمية خاصة بحكم مجاورتها لروسيا والغرب، ويشكل توجهها نحو واشنطن مبعث قلق لموسكو التي تقلصت إمبراطوريتها عقب انهيار الشيوعية وتفكك دول الاتحاد السوفياتي السابق، فيما اتسعت رقعة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو حتى وصلت الحدود الروسية من خلال ضم الجمهوريات السوفياتية السابقة (لاتفيا وأستونيا ولتوانيا)، وموالاة جورجيا لواشنطن واستضافة قرقيزستان قاعدة عسكرية أميركية.

وإذا انضمت أوكرانيا لحلف الناتو ستتكبد روسيا خسارة تقارب 10 بلايين دولار من دخلها السنوي لأن 90% من الغاز الروسي يمر عبر أوكرانيا إلى أوروبا، وبذلك يصبح عبور تصدير النفط والغاز الروسي مرهونا بدول خاضعة للسيطرة الأميركية. كما ستخسر موسكو قاعدتها البحرية المستأجرة في ميناء سيفاستوبول الأوكراني على البحر الأسود، وهو منفذ روسيا الوحيد للمياه الدافئة.

وعلاوة على إضعاف روسيا أمنيا واقتصاديا، ستتمكن واشنطن -التي تزعم دعمها لنشر الديمقراطية في أوكرانيا- من التحكم بمصادر الطاقة الحيوية في المنطقة قبل أن تنافسها عليها الصين والهند اللتان بات اقتصادهما يهدد مصالحها. 

وبين الأزمة الداخلية والصراع الخارجي يبدو أفق الاستقرار السياسي لأوكرانيا بعيدا بحسب الأحداث السابقة والمؤشرات الحالية.

المصدر : الجزيرة