فاطمة "بن براهم" ذكرت أن فرنسا استخدمت جزائريين كفئران تجارب (الجزيرة نت)
حاورها من الجزائر/ أحمد روابة
تعد المحامية الجزائرية فاطمة "بن براهم" لرفع دعوى قضائية ضد الحكومة الفرنسية في جريمة التفجيرات النووية السرية التي قام بها الجيش الفرنسي بمنطقة رقان بالجنوب الجزائري وخلفت دمارا كبيرا وعددا غير معروف من الضحايا الجزائريين والأجانب.

وفي ما يلي حوار خاص بالجزيرة نت تحدثت فيه هذه المحامية عن تفاصيل القضية والتنسيق الذي تقوم به في الهيئة التي ترأسها مع منظمات مماثلة في العالم للدفاع عن حقوق ضحايا تلك التفجيرات النووية.

قررتم رفع دعوى قضائية ضد الحكومة الفرنسية بتهمة القيام بتفجيرات نووية في منطقة رقان بالجنوب الجزائري، ما الذي حدث بالضبط في سنة 1960؟ وأين وصلت الإجراءات؟

نحن نستكمل جمع ملفات الضحايا ووثائق الإثبات والصور، من الشهود وأرشيف الجيش الفرنسي. حيث قامت الدولة الفرنسية بإشراف مباشر من وزير الحرب آنذاك، الذي حضر بنفسه التفجير الأول، الباطني. وقد تسربت غازات وغبار سام أصاب حتى الجنود والضباط والفنيين الفرنسيين. أما الجزائريون فقد استعملوا كفئران تجارب.

"
لدينا أدلة دامغة على أن السلطات الفرنسية وضعت مدنيين جزائريين بدون حماية في موقع التفجير بهدف تجريب تأثير الإشعاعات النووية على البشر
"
ماذا تقصدين بذلك؟

لدينا أدلة دامغة على أن السلطات الفرنسية وضعت مدنيين جزائريين بدون حماية في موقع التفجير بهدف تجريب تأثير الإشعاعات النووية على البشر.

فقد سجلنا شهادات عن الضحايا الذين لا يزالون على قيد الحياة، يروون كيف أنهم اعتقلوا ونقلوا في طائرات عسكرية من الشمال من مدينة اسطاوالي غربي العاصمة مثلا، إلى الصحراء الجزائرية بمنطقة رقان دون علمهم، ووضعوا بدون حماية في مكان التفجير. منهم من فقد بصره على الفور، ومنهم من أصيب بعدد كبير من الأمراض والتشوهات الغريبة، التي انتقلت إلى أبنائهم.

هل هناك ضحايا آخرون لهذه التفجيرات السرية، هل هناك فرنسيون بينهم؟

في الحقيقة هناك ثلاثة أصناف من الضحايا نحن نعمل معهم، وقد قرروا كلهم المطالبة بكشف الحقيقة، ومطالبة الحكومة الفرنسية بالاعتراف بالجريمة وتعويض الضحايا.

الصنف الأول هم أهالي منطقة رقان موقع التفجيرات، والعسكريون والمدنيون الفرنسيون الذين عملوا هناك. والجزائريون بعد التفجيرات، إلى جانب الحيوان والنبات والبيئة عموما التي تلوثت نهائيا بالإشعاعات السامة إلى الأبد.

هل لديكم أرقام عن عدد الضحايا؟

التقديرات ليست دقيقة لاجتهاد السلطات الاستعمارية في طمس الحقيقة عن طريق إتلاف وثائق الحالة المدنية، لكن الذي لدينا من شهادات أحياء جزائريين وفرنسيين، يؤكد أن عدد الضحايا بالآلاف. فالذين كتبت لهم النجاة من الجحيم يؤكدون أنهم كانوا طوابير من البشر كانوا ينقلون بالطائرات إلى مكان التفجيرات.

وأفاد شهود أيضا أن الجزائريين لم يكونوا لوحدهم على كثرتهم. فقد كان معهم أفارقة لا يتكلمون العربية. وهو دليل على استعمال سكان منطقة الصحراء في الدول المجاورة أيضا كفئران تجارب، في هذه التفجيرات التي وصفها وزير الحرب بأنها لدعم قوة فرنسا بالسلاح النووي وحمايتها نهائيا من أي اعتداء.

"
لا بد لفرنسا أولا أن تعترف بهذه الجرائم التي ارتكبتها في المستعمرات القديمة، وتقوم بتعويض الضحايا ماديا ومعنويا

 "

بالنسبة للضحايا العسكريين والمدنيين الفرنسيين هل لهم نفس المطالب؟

فرنسا لم تعترف بالتفجيرات التي قامت بها في الصحراء الجزائرية إلا في السنوات الأخيرة. ولحسن الحظ هناك قدماء حرب الجزائر، يشهدون عن الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية من قبل السلطات الاستعمارية.

هؤلاء المحاربون يطالبون اليوم برفع السر العسكري وكشف الحقيقة. إنهم فرنسيون كما ذكرنا يطالبون بالتعويض لأنهم أصيبوا بالإشعاعات النووية في الجزائر.

تعرضوا لعدد لا يحصى من الأمراض وأنواع السرطان، كلها لها علاقة بالتفجيرات التي قامت بها الدولة الفرنسية في منطقة رقان. هؤلاء الجنود يمكن إحصاؤهم، في سجلات الجيش الفرنسي، ورصد المواقع التي مروا بها للتأكد من مكان إصابتهم، ومقارنة ما تعرضوا له مع الضحايا الجزائريين.

وقد أنشئت جمعية في فرنسا تدعى "جمعية قدماء محاربي التجارب النووية" يرفع أعضاؤها دعاوى قضائية في الجناح العسكري يطالبون بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم جراء تفجيرات 13 فبراير/شباط 1960 بالجنوب الجزائري. وهي تعويضات من حق الجزائريين الذين كانوا في نفس المواقع، غير أنهم كانوا مرغمين ومقهورين. بل إن السلطات العسكرية الفرنسية استعملتهم كفئران تجارب، أي قصدت تعريضهم للإبادة.

وهنا تقع الدولة الفرنسية تحت طائلة قانون محكمة العدل الدولية المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية. وهو ما نحضر له بالتنسيق مع منظمات لها نفس الأهداف في العديد من مناطق العالم. محاكمة الدولة الفرنسية في قضايا التفجيرات النووية باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

لا بد لفرنسا أولا أن تعترف بهذه الجرائم التي ارتكبتها في المستعمرات القديمة، وتقوم بتعويض الضحايا ماديا ومعنويا بما يتناسب مع حجم الجرائم وتأثيرها على المجتمعات المعنية، وعلى محيط الحياة في المناطق التي وقعت فيها التفجيرات النووية.

ما هي المنظمات التي تتعاونون معها في عملكم؟

في الحقيقة نحن نستلهم في خطوتنا كثيرا من العمل الذي قامت به المنظمات اليابانية التي لا تزال تنشط من أجل تجريم التفجيرات النووية في هيروشيما وناغازاكي عام 1945. كما أفلح الأستراليون في إرغام بريطانيا على الاعتراف بجرائم التفجيرات النووية على أراضيهم.

ويجري التنسيق مع منظمات من مستعمرات فرنسا التي تطالب بالتعويض عن أضرار الإشعاعات النووية بعدما أرغمت باريس على توقيف التجارب في المحيط الهادي. كما تسعى فيتنام بدورها إلى الانضمام للحملة حيث تعرضت لتفجير ما يسمى القنبلة البرتقالية.

نقوم بالتنسيق مع كل هذه التنظيمات بالتعاون مع خبراء وشهود وضحايا من فرنسا للمطالبة بكشف الحقيقة أولا، عن طريق رفع السر العسكري وفتح ملفات الجيش الفرنسي في الحقبة الاستعمارية، ثم بعد ذلك إحصاء الضحايا، وتقدير الخسائر للمطالبة باعتراف الدولة الفرنسية رسميا بالجرائم ضد الإنسانية وتعويض الضحايا.

تحدثتم عن ضحايا عسكريين جزائريين. متى أصيبوا وكيف حدث ذلك؟

بعد خروج الاستعمار الفرنسي أخفت السلطات الفرنسية أمر التفجيرات النووية عن الدولة الجزائرية الحديثة. فلم تقدم لها البطاقة الصحية التي تحدد مخاطر ومحيط الإشعاعات النووية في مواقع التفجيرات. ولم تقدم لها وسائل إحصاء أنواع الأمراض، ولا قائمة بالمواد المستعملة في التفجيرات، أو العتاد الملوث.

بل تركت كل ذلك سريا. وترك جيش الاحتلال شاحنات وعربات ومواد لا تزال لحد اليوم بنفس المكان، تعرض سكان المنطقة والمحيط الحيواني والنباتي لمخاطر للإشعاعات النووية. وتعد هذه نفايات نووية خلفتها فرنسا وراءها في الجزائر، وهي مسؤولة عنها أمام القانون الدولي.

وبين سنة 1970 وسنة 1975 أرسلت الجزائر عسكريين لتفقد المواقع المذكورة. وبعد 10 أيام فقط من انتهاء المهمة ظهرت أعراض أمراض غريبة على الضباط المكلفين بالعملية، منها أنواع سرطان عديدة.

ولا يزال أحد هؤلاء الضباط حيا يروي مأساته، حيث ولد له ابن مشوه وبنت مشوهة، بعدما عجزت أكبر المستشفيات في العالم عن تشخيص مرضه، وتأكد أن الإشعاعات النووية التي تعرض لها في رقان، ولا تزال موجودة لحد الآن هي سبب مأساته.

أما الضحايا من بين الأهالي بالمنطقة فقد وصلتنا تقارير ودراسات حديثة أجريت في الميدان عن التشوهات بين المواليد وانتشار العقم وأمراض السرطان، ومن بين الضحايا المدنيين مواطن فرنسي لم يغادر الجزائر منذ ذلك الوقت وهو يناضل من أجل الحقيقة في قضية التفجيرات النووية ورفع السر العسكري.

وقد سجلت في منطقة رقان حسب نفس التقارير، بعد التفجيرات ولادة حيوانات غريبة، منها معزة برأس حمار، وكبش بستة أرجل، ومواليد غير مكتملي الأعضاء، نسب مثيرة في الفترة التي تلت التفجيرات مباشرة، كلها نتيجة الإشعاعات النووية.

وهنا يأتي دور منظمة الصحة العالمية التي يجب عليها التدخل لتحديد المخاطر الصحية في المنطقة، وإرغام فرنسا على توفير المعلومات الوافية عن المواد المستعملة، وتحديد محيط التفجيرات، ورسم بطاقة صحية شاملة لحماية السكان والوقاية من انتشار خطر الإشعاعات.

"
إنه لا يعرف الجزائريين، هذا المهاجر البولندي رغم أنه مهاجر مثل الجزائريين الذين يعيشون في فرنسا إلا أنه لا يعرف الجزائريين. نحن لسنا بحاجة إلى هذه المساعدة المهينة
"
تابعت التصريحات الأخيرة لمرشح الرئاسة في فرنسا نيكولا ساركوزي، الذي يقترح مساعدة فرنسية للجزائر في مجال تطوير الطاقة النووية، مقابل الحصول على الغاز الطبيعي الجزائري بسعر تفضيلي. ما تعليقك على هذا المقترح؟

أقول لك إنه يعرض علينا "صفقة المغفلين". حقا إنه لا يعرف الجزائريين، هذا المهاجر البولندي رغم أنه مهاجر مثل الجزائريين الذين يعيشون في فرنسا إلا أنه لا يعرف الجزائريين. نحن لسنا بحاجة إلى هذه المساعدة المهينة. عليه فقط أن يحصي عدد الباحثين الجزائريين في الجامعات الفرنسية، ليتأكد أننا لسنا بحاجة إلى صفقته المغفلة.

ثم إن المهاجر الجزائري الذي يتطاول عليه ساركوزي أحق بالإقامة في فرنسا من المهاجر البولندي، الذي هو ساركوزي نفسه. فقد بنت فرنسا مجدها بخيرات الجزائر وسواعد الجزائريين. بنت رمزها برج إيفل بحديد الجزائر، حتى أن أحد الجزائريين المهووسين بالتاريخ أخذ مفكا وهم باقتلاع أجزاء من البرج على أنه حقه.

كما أنقذت خيرات الجزائر وقمحها سنة 1830 ملك فرنسا من تمرد وحرب أهلية كادت تعصف بعرشه بسبب نقص في الغذاء. وتم بناء المملكة المتهاوية من جديد بفضل خزائن الجزائر من أموال وذهب وأحجار كريمة، استولى عليها الغزاة ونقلوها إلى باريس.

أما الصفقة التي نراها جديرة بالتفاوض فهي أن تقوم فرنسا فورا بتنظيف مواقع التفجيرات النووية ونقل النفايات التي خلفتها جيوش الاحتلال، بالإمكانيات التي تتطلبها العملية. وتعويض الضحايا من مدنيين وعسكريين، وسكان المنطقة ماديا ومعنويا. بعدها يمكن أن نتحدث عن التعاون.

أما ما عدا ذلك فالقانون أمامنا. ومحكمة العدل الدولية التي صدقت فرنسا على مواثيقها ستنظر في القضايا التي نطرحها على العدالة الدولية. عندها يمكن لساركوزي أو غيره أن يرافع عن فرنسا. وسنرى لمن ستكون الكلمة الأخيرة.

المصدر : الجزيرة