أحمد محساس عُين مؤخراً رئيساً للجنة الوطنية لمكافحة الفساد (الجزيرة نت)

حاورته تسعديت محمد-الجزائر
 
أحمد محساس (84 عاما) أحد الثلاثة الذين صنعوا الثورة الجزائرية -إضافة إلى الرئيس الراحل محمد بوضياف والرئيس الأسبق أحمد بن بلة- يعاني من محاولات التهميش من قبل قوى توصف بأنها تمثل التيار التغريبي في مواجهة التيار العربي الاسلامي.
 
استرد الرجل بعض بريقه مع تولي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة سدة الحكم الذي عينه عضواً بمجلس الأمة قبل أن يختاره مؤخراً رئيساً للجنة الوطنية لمكافحة الفساد.
 
مارس المعارضة بعد قليل من الاستقلال عام 1962 انطلاقاً من ألمانيا قبل أن يعود عام 1981. حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون، وله العديد من المؤلفات عن الحركة الوطنية الجزائرية فضلاً عن أعمال أخرى تبقى حبيسة الأدراج.
 
ولتسليط الضوء على أبرز شخصية تاريخية جزائرية تعرضت للتهميش السياسي والتعتيم الإعلامي، أجرت معه الجزيرة نت هذا الحوار في بيته وسط العاصمة.
 
لنبدأ أولاً بالواقع العربي اليوم، ما رأيك فيما حدث من اقتتال داخلي بين حركتي فتح وحماس؟
 
هذه المسائل عرفناها من قبل في جبهة التحرير الوطني. وقد وصلنا في وقت ما إلى مرحلة التصفية الجسدية، ومع ذلك لم نظهر هذه الخلافات حتى لا تفشل الثورة. وعلى المرء أن يختار إما ترجيح نجاح جهة أو أشخاص أو مجموعة أو ترجيح الثورة ككل. لهذا كنا دائما في جبهة التحرير ما نختار مصلحة الشعب.
 
الفلسطينيون لم يفهموا بعد هذه النقطة، وقادتهم يعطون لهم مثالا سلبيا شأنهم في ذلك شأن القادة العرب. العدو الحقيقي هو من يحاول تحطيمك بكل وسيلة، وعلى الفلسطينيين تحديد هذا العدو وهو واضح للعيان: إسرائيل وأميركا وليس فتح وحماس. أضف إلى ذلك أن الانشقاق لا يخدم القضية الفلسطينية، ولو أن الفلسطينيين استفادوا من القليل من دروس الثورة الجزائرية لحصلوا على الاستقلال منذ سنوات عدة.
 
 
كيف ترى دلالات احتلال العراق وأفغانستان؟
 
هناك مؤامرة ضد العالم العربي والإسلامي هدفها الأساسي تحطيم الشعوب العربية. إنني أتعجب من القادة العرب في ظل الانحطاط الذي وصلوا إليه وفي ظل الهزيمة السياسية، كيف لا يدركون أنه لا يمكن مواجهة العدو بصفة فردية وأنه لابد من تأسيس وحدة عربية تحقق الهيبة والقوة، خاصة وأن العرب يمتلكون كل المقومات التي توفر لهم الاستقلالية والرفاهية.
 
على العرب أن يفعلوا ذلك من أجل الأجيال القادمة حتى لا يتعرضوا للظلم والانكسار على يد الغرب الذي يحبذ التعامل مع العرب بمنطق السيطرة والاستغلال. من لا يقبل الخضوع يتعرض للتهديد والضغط ومحاولات الاستعمار الثقافي أو التكنولوجي، وإذا استعصى الأمرعليه يلجأ للقوة العسكرية، وهذا بالضبط ما حدث في العراق وما يفسر خطط أميركا التي تلجأ إلى أسلوب "فرّق تسد".
 
الرئيس الأميركي جورج بوش يقرأ عن الثورة الجزائرية للاستفادة من التجربة الفرنسية في محاولة قمع الثورة التحريرية وتوظيفها للقضاء على المقاومة العراقية. ما تعليقكم؟
 
أميركا ترى في الثورة الجزائرية إرهابـاًً ويدرسونها كنمط إرهابي في محاولة للقضاء على المقاومة العراقية مثلما كانت تنظر إلينا فرنسا. ويمكن القول إن بوش ابن فرنسا، والثورة الجزائرية التي دامت 7 سنوات ونصف السنة تحمل في طياتها الكثير من الأسرار التي عجزت فرنسا عن معرفتها وإدراكها.
 
أميركا تسعى اليوم للاطلاع على الثورة الجزائرية عن كثب لاستخلاص الدروس والاستعانة بها في العراق أو فلسطين. ولو أن العرب انتهجوا نهج الثورة الجزائرية ولو جزئيا فإن الأميركيين سيفكرون ألف مرة قبل الدخول إلى أي بلد عربي والعبث فيه.
 
ما رأيكم فيما آلت اليه أحوال الأمة العربية؟
 
الأمة العربية تعيش تحت القمع والتمزق والخلافات. وما يحدث في فلسطين والعراق يجعلنا نفهم أن ملياراً وخمسمائة مليون في العالم العربيالإسلامي لا يمتلكون وزن بلجيكا في السياسة الخارجية، وهذا لا يعني أن المسلمين ضعفاء.
نحن نمتلك قوة عظيمة في جميع الميادين على مستوى الإطارات والثروات، وإنما الوضع الذي وصلنا إليه بسبب قادتنا الذين يعانون الضعف والهوان ولا يمتلكون مواقف صارمة والقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات التاريخية. 


 
دعنا ننتقل الآن إلى علاقتك بالثورة. كيف نشأت في ظل الاحتلال الفرنسي؟
 
أحمد محساس: الأمة العربية تعيش
تحت القمع والتمزق والخلافات (الجزيرة نت)
كان المستعمر مسيطراً على الجزائر بصفة شاملة وكنت أقطن في الريف وأرى معاناة الأهل وتصرفات المُعمر (المحتل) الذي وجد بكثافة في منطقتنا "بودواو" التابعة لولاية بومرداس شرق العاصمة. وكل المناطق المحيطة بنا كانت وقتها المركز الرئيسى للاستعمار.
 
التحقت بالمدرسة الفرنسية إجباريا لأن فرنسا كانت تهدد الأولياء بالسجن في حالة الامتناع، ليس رغبة في تعليمنا وإنما لتكوين جيل جديد بثقافة فرنسية والدليل أن 90% لم يذهبوا إلى المدرسة.
 
كانت المدرسة مقسمة إلى جزأين قسم  للفرنسيين وقسم للجزائرين. تفوقت وألحقوني بالقسم الفرنسي وقرروا إعطائي منحة تقدر بـ 25% علماً بأن أبناء العملاء تمنح لهم 100 %. نصحني والدي ألا أنسى الصلاة وأن أعتبر ذهابي إلى المدرسة بهدف التعلم لا غير وألا يؤثر ذلك على أصولي الجزائرية الإسلامية.
 
فضلا ًعن هذا اجتمع والدي بأولياء آخرين واستأجروا مكاناً وأحضروا أستاذاً يعلمنا القرآن بعد اليوم الدراسي حتى لا تسيطر علينا الأفكار الفرنسية. كنت أستمع إلى الحوارات السياسية التي تدور بين أفراد عائلتي، ومن هنا بدأت أفهم حقيقة الاستعمار. هكذا كانت تتكون الحركة السياسية في العقول الجزائرية وسط إجماع بين مختلف التيارات الموجودة آنذاك على الدفاع عن الدين واللغة.
 
 
كيف انخرطت في المقاومة؟
 
في سن  الثانية عشرة شاركت في توزيع المناشير والجرائد وانخرطت في المقاومة دون أن يكون هناك تنظيم، ثم انخرطت بصفة نظامية في حزب الشعب الجزائري في السن السادسة عشرة. بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، تم منع كل الأحزاب من ممارسة نشاطاتها ومن بينها حزب الشعب، فبدأنا العمل السري واندمجت تماما في النظام، وتم اكتشاف أمري وتعرضت لمتابعات وزُج بي في السجن عدة مرات. بعد خروجي من السجن تخليت عن كل التزاماتي الاجتماعية وأصبحت عضوًا دائما في حزب الشعب وأصبحت مهندسا لنظامه.
 
تعتبر أحد الثلاثة الذين أسسوا جبهة التحرير الوطني إضافة إلى الرئيس الراحل محمد بوضياف والرئيس الأسبق أحمد بن بلة، كيف بدأتم هذا العمل الذي غير مجرى التاريخ في الجزائر؟
 
القضية هنا لا تتعلق بالأشخاص، فالثورة الجزائرية كانت نضالاً جماعياً مع أنه كان هناك أشخاص لعبوا دوراً بارزاً أكثر من الآخرين. كنت من بين الذين تولوا دوراً قيادياً وسياسياً حيث شاركت في إدارة حزب الشعب، مما سمح لي باتخاذ بعض المواقف السياسية. بدخول هذا الحزب العمل السري تكونت "المنظمة الخاصة OS" وهي منظمة شبه عسكرية ثورية.
 
كنا نعتمد على حزب الشعب الجزائري لإطلاق الثورة، ولكن بعد الخمسينيات وقعت أزمة داخل إدارة الحزب وحدث الاختلاف في وجهات النظر والاتجاهات وتحديد المسؤوليات. نشأ نزاع أدى إلى انشقاق الحزب وفشلت محاولات عديدة  لتوحيده، وكنت أول من  أصدر وثيقة "نداء للعقل" طلبت فيها من المناضلين توحيد الصفوف استعدادا لعمل إيجابي.
 
كان المقصود هنا ثورة التحرير ولم نقلها صراحة حتى لا ينكشف أمرنا. باءت المحاولة بالفشل، وقررنا إنشاء جبهة ثالثة محايدة. ومن هنا انبثقت جبهة التحرير الوطني لمواصلة التيار الثوري بعيدًا عن كل الحساسيات والخلافات وتنفيذ القرارات المنبثقة عن مؤتمر حزب الشعب سنة 1947 وهي التحضير للثورة.
 
من خلال تجاربنا السابقة اعتمدنا سياسة جديدة وهي انطلاق الثورة بوسائل محدودة دون انتظار توافر شروط أخرى قد يصعب تحقيقها في وقت واحد. واتخذنا قرار تجديد الحركة الوطنية الشاملة في الجزائر والاعتماد على لا مركزية الحركة. خططنا لتأسيس مراكز لنا في الخارج وألا تكون الإدارة في مكان واحد وألا يجتمع المسيرون كمجموعة في مكان واحد، وأن يكون التنسيق على المستويين الأيديولوجي والسياسي. هنا كان عملنا في جبهة التحرير بمثابة الانفجار الذي يُحدث صدمة نتجاوز بها كل الخلافات الشخصية والفكرية.
 
مع مضي الوقت ظهرت ملامح لخلافات بين تيارين داخل صفوف الثورة خاصة مع انعقاد مؤتمر الصومام؟
 
كانت هناك أزمات لأننا أنشأنا الجبهة في ظرف يغلب عليه عدم الاستقرار وانشقاق حزب الشعب فضلا عن تلاعبات الفرنسيين الذين سعوا لإقناع الجزائريين بأنهم على استعداد لتبني سياسة الحوار، ولم تكن سوى مناورة استعمارية لإدخال البلبلة في صفوف الجبهة. كما أوجدت -التلاعبات- نوعاً من الصراع حول السلطة، فالأغلبية من السياسيين التي كانت عام 1954 لا تؤمن بالثورة، ولما أصبحت واقعاً ملموساً أرادوا تبني الثورة ليصبحوا القادة وهذا ما دفع بهم إلى مناهضة من أسسوا الجبهة.


 
يقال إن الخلاف كان بين تيارين عربي إسلامي وآخر علماني أقرب إلى الغرب؟
 
نعم.. الفرنسيون كانوا يفكرون بهذا المنطق. في تلك الفترة كان الغرب يحارب الشيوعية والبلدان العربية التي كانت تظهر فيها حركات تحررية. أما بالنسبة للجزائر آنذاك فقد كانت قضية العروبة والإسلام هي أخطر من الشيوعية في منظور الغرب حيث ظهرت قضية جمال عبد الناصر، البعثيين، والخميني في وقت لاحق. كان هناك تخوف من طرف الغرب من نجاح هذه الحركات التي قد تشكل خطرا على طموحاتهم الاستعمارية.
 
تعرضت لمحاولات التهميش بسبب أفكارك ومواقفك التي دفعت البعض الى محاولة اغتيالك. كيف تمكنت من مواجهة محاولات الإقصاء؟
 
هذا من أعمال فرنسا. فالمستعمر حاول القضاء على الثورة وتزييفها. وعندما لم يتمكن من ذلك واستطاعت الثورة تحقيق أهدافها، سعى للحيلولة دون تحولها إلى نموذج للتحرر لباقي الشعوب -وحتى أبناء الجزائر أنفسهم- سواء بالتزييف أو القطيعة بين الأجيال حتى لا يستفيدوا من تجربتنا القائمة على قوة الإيمان التي مكنتنا من التغلب على قوة العدو العسكرية.
 
أما بالنسبة للتهميش الذي تعرضت إليه بعد الاستقلال من طرف الدولة فإني أعتبر ذلك مسألة خاصة لا يمكنني الحديث عنها الآن. ما زلت في حالة التهميش وتمنح لي في بعض الأحيان فرصة الخروج من الظلمات لكني دائما أعاني من التهميش.
 
في تقديرك هل طوت فرنسا صفحة استعمارها للجزائر أم أن المعركة ما زالت قائمة بأشكال مختلفة؟
 
"
أتذكر قول رئيس الحكومة الفرنسي الاستعماري ميشيل دوبري قبل 1962 للرئيس الفرنسي ديغول: إنك تصفي الإمبراطورية الفرنسية، فرد عليه قائلا: أنا أحضر للإمبراطورية الفرنسية بعد استقلال الشعوب. وهذا عن طريق التعاون وتفريخ القيادات الصغرى وإنجاز المشاريع
أحمد محساس
"
فرنسا ما زالت تمارس الاستعمار بشكل آخر. فهي تدفع باتجاه إشعال المشاكل الداخلية لتحاول التدخل بشتى الطرق وإخضاع الجزائر لسيطرتها وبسط نفوذها. لقد أخذوا درساً تاريخياً من الثورة الجزائرية لذا لن يكرروا الاستعمار العسكري.
 
أتذكر قول رئيس الحكومة الفرنسي الاستعماري ميشيل دوبري قبل 1962 للرئيس الفرنسي ديغول "إنك تصفي الإمبراطورية الفرنسية" فرد ديغول قائلا "أنا أحضر للإمبراطورية الفرنسية بعد استقلال الشعوب" وهذا عن طريق التعاون، وتفريخ القيادات الصغرى، وإنجاز المشاريع.
 
 
ما رأيكم في طلب فرنسا إبرام اتفاقية للصداقة مع الجزائر؟
 
فرنسا تظن أنها أتت بالحضارة للجزائر. والمتأمل للأوضاع الجزائرية يتساءل بعد أكثر من مائة وثلاثين سنة من الاستعمار: كيف أصبحت بلادنا متخلفة.
 
ما زال هناك سعي من طرف فرنسا للسيطرة على البلدان التي كانت في وقت ما تحت إمرتها. بيننا وبين فرنسا فجوة كبيرة، غير أن الظروف السياسية والدبلوماسية وبعض الضعف من جهتنا تجعلنا نظهر وكأن كل شيء سيكون على ما يرام بالتعاون والشراكة.
 
إن الصداقة في ظل الواقع الجزائري الفرنسي من شأنها تزييف كل ما حدث في الماضي. وإذا قبلنا بهذه الاتفاقية فهذا يعني أننا نحكم على شهدائنا ومقاومتنا وكأنها كانت خطأ وربما جريمة، وكأننا وحوش قابلنا الحضارة بالسلاح.

المصدر : الجزيرة