كلود كوفاسي كان واثقا من نفسه أثناء الحوار (الجزيرة نت)

تامر أبوالعينين–جنيف
 
تشهد قضية التجسس على المركز الإسلامي بجنيف تطوارت مثيرة متلاحقة، فبعد اعتراف الجاسوس التائب كلود كوفاسي، الذي أشهر إسلامه وغير اسمه إلى عادل كوفاسي، وإعلان الدكتور هاني رمضان تحويل الملف إلى القضاء، مثل الجاسوس التائب أمام لجنة تحقيق برلمانية.
 
وباح كوفاسي في اللجنة بكل ما لديه من معلومات حول محاولة جهاز المخابرات السويسري الزج بالمركز الإسلامي ومديره في قضية ملفقة لدعم ما يوصف بالإرهاب، في قضية هي الأولى من نوعها تداخلت خيوطها بين أطراف مختلفة لتصل إلى مرحلة انتظار مصداقية الدولة ونظامها القضائي.
 
الجزيرة.نت التقت -كأول وسيلة إعلام عربية- الجاسوس التائب عادل كوفاسي (36 عاما وحاصل على ماجستير في الفلسفة)، فتحدث عن خلفيات القضية ودوافعها، كان هادئا واثقا من نفسه أثناء الحديث، وأتت إجاباته واضحة، بدون مراوغة أو جمل ملتوية.

 
مثلت في نهاية العام الماضي أمام لجنة برلمانية تحقق في هذا الملف الشائك، فماذا حدث معك؟
 
 لقد كانت الجلسة مغلقة بتاريخ 12/12/2006 حضر فيها المحامي الخاص بي، وكانوا واضحين وأخبروني أن شخصا من المخابرات السويسرية سيحضر الجلسة، التي استمرت 5 ساعات على مدى يومين.
 
الأسئلة كانت تتعلق بالقصة من بدايتها إلى نهايتها ومحاولة استيضاح النقاط الغامضة على أعضاء اللجنة، والتأكد من أسماء ضباط الاتصال ومهمة كل واحد منهم معي، كما سألوني عن أسباب خلافي مع المخابرات، وركزوا على تفاصيل الخطة "ممفيس" وهل كانت تهدف بالفعل إلى اختلاق توريط المركز الإسلامي في جنيف ومديره بالضلوع في دعم الإرهاب والمقاومة في العراق.
 
لكن أهم ما لفت انتباهي في هذا التحقيق أن أحد النواب سألني عن بلال رمضان (شقيق مدير المركز الإسلامي في جنيف الدكتور هاني رمضان) وإذا كنت ألتقي به أم لا، ولا أدرى ما هو السبب في هذا السؤال، ولكنه أعطاني الانطباع بأنهم يراقبونني عن كثب حتى الآن، فأنا أسكن في نفس المنطقة التي يقيم فيها بلال، ومن الجائز تماما أن ألتقي به في أي وقت، في الطريق العام أو أثناء التسوق، ولو حدث أن التقيته فسأقوم بتحيته على الفور وربما أدعوه أيضا للحديث في أي مقهى قريب.
 
هذه الملاحظة أعطتني الانطباع بأن المشكلة لا تتعلق بالمركز الإسلامي بجنيف فقط وإنما بعائلة رمضان كلها، ربما لأنهم أحفاد حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين.
 
الأغرب أنني التقيت بعد هذا التحقيق مع اثنين من البرلمانيين المهتمين بالقضية وأعطيتهما وثائق على درجة عالية من الأهمية، وبعدها تعرض الاثنان لحادثي سرقة، الأول في محطة القطار الرئيسية في برن، والثانية في محطة قطارات زيورخ، ولا أعتقد أنهما وقعا مصادفة، بل كانا حادثين مدبرين.
 
 
وماذا كان في هذه الوثائق؟ وماذا تتوقع من هذه اللجنة البرلمانية؟
 
(مبتسما) ستعرف الجزيرة المحتوى في الوقت المناسب. وبخصوص اللجنة البرلمانية فقد استمعت اللجنة إلى جهاز المخابرات في جلسة مغلقة ولم يكن مسموحا لي أو للمحامي الخاص بحضورها أو الاطلاع على محضرها، وسيتم استدعائي مرة أخرى للمثول أمام اللجنة في نهاية فبراير/شباط الجاري، وبالتأكيد ستكون هناك أسئلة جديدة بناء على رد فعل المخابرات على ما قلته.
 
لكن هذه اللجنة ليست صاحبة قرار نهائي، كل ما ستفعله أنها ستسجل ما قيل في التحقيقات وتكتب تقريرها، ليكون القرار النهائي بيد مجلس الحكم الفدرالي وتحديدا في سلطة وزراء العدل والشرطة والدفاع والخارجية، لأنهم المسؤولون أولا وأخيرا عن عمل جهاز المخابرات السويسري.
 
وبصفة عامة فقد دخل الملف الآن طورا جديدا، لأن الدكتور هاني رمضان أحسن صنعا بأنه رفع الأمر إلى القضاء، فأصبح الملف الآن محصورا بين الناحيتين القانونية والسياسية، وأنا على ثقة في نزاهة القضاء السويسري، ولا أعتقد أن الساسة سيتخذون قرارا يناقض النظام القانوني السويسري، ولا أعتقد أن الحكم القضائي سيكون مسيسا أو مائعا.
 
 
لماذا؟ 
 
لأنها ستكون فضيحة بكل المقاييس، هل من المعقول أن سويسرا الدولة التي تدافع عن القانون الإنساني الدولي في العالم تنساق وراء نزوات جهاز المخابرات وتهون من أمر ما حدث وتدافع عنه؟ لا أعتقد ذلك.
 
كما أن إحالة الأمر للقضاء يعني أن محامي الدكتور رمضان والمحامي الخاص بي يمكنهما الاطلاع على ملف التحقيق مع المخابرات وتقرير اللجنة الفدرالية، ولن يكون من الجيد أن يجدا به ثغرات قانونية تنقض قرار مجلس الحكم، لأن هذا يعني مواجهة جديدة أمام القضاء الفدرالي وهو أعلى سلطة قانونية في البلاد، وربما أيضا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أو غيرها من المحاكم، لأن القضية غير عادية.
 
 
إذن المهمة التي قمت بها كانت نزوة مخابراتية؟ وليست تخطيطا مسبقا ومبرمجا له؟
 
لا أقصد بكلمة نزوة أنها كانت عشوائية، بالطبع كان مخططا لها وبإحكام شديد أيضا، ولو لم أعترف وأتراجع عما كلفوني به، لكانت فضيحة مدوية لشخصية الدكتور هاني رمضان وللمركز الإسلامي في جنيف، وستكون لها انعكاسات كبيرة على المسلمين في الغرب عموما.
 
 
ولكن لماذا هاني رمضان بالتحديد وهذا المركز بعينه، فسويسرا توجد بها مراكز اسلامية مختلفة؟
 
"
أعتقد أن المخابرات السويسرية أرادت أن تضرب عصافير عدة بحجر واحد، فالدكتور هاني رمضان أفضل من يتحدث عن المسلمين في سويسرا وأوروبا عموما، ولذا أرادت المخابرات تشويه صورته تماما وتحويله إلى متهم بدعم الإرهاب والمقاومة في العراق
"
أعتقد أن المخابرات السويسرية أرادت أن تضرب عصافير عدة بحجر واحد، فالدكتور هاني رمضان أفضل من يتحدث عن المسلمين في سويسرا وأوروبا عموما، ولذا أرادت المخابرات تشويه صورته تماما وتحويله إلى متهم بدعم الإرهاب والمقاومة في العراق، وبالتالي يهتز هذا الرمز في عيون الجالية المسلمة والرأي العام، ويتم تشويه أقدم مركز من نوعه في أوروبا، تحت شعار "هذا هو المثقف الذي تعتزون، به إنه يدعم الإرهاب".
 
ثم تأتي الخطوة التالية لاستغلال الضجة الإعلامية التي كانت ستحدث عقب توريطه لتسهيل الموافقة على القوانين التي يتم الإعداد لها، وتشديد الرقابة على المسلمين والمساجد والمؤسسات الدينية النشيطة في البلاد لتوضع جميعها في قفص الاتهام، رغم أن كل التقارير الأمنية تشير إلى عدم وجود عناصر تدعو إلى الإرهاب بين المسلمين في سويسرا.
 
وستكون النتيجة الثالثة هي تشتيت جهود الجالية المسلمة، إذ ستقع في مأزق الوقوف في خندق تبرئة النفس من الشبهات التي سيقوم الإعلام بإلقائها عليها، فضلا عن الأثر النفسي السلبي الذي كانت هذه العملية ستتركه لدى المسلمين المعتدلين، إذ كانوا سيتشككون في كل مرجعية دينية، وقد يؤدى هذا إلى النفور من المنظمات والجمعيات الإسلامية، فكما قلت فإن الجالية المسلمة في سويسرا ترفض العنف تماما.
 
في الوقت نفسه ستقوم بقية الدول الأوروبية بمحاولة الاستفادة من تلك "الموعظة" في التعامل مع مسلميها بالحديد والنار لو كانت العملية "ممفيس" تواصلت إلى النهاية.
 
 
هل لك أن توضح لنا كيف جاءت خطوات تراجعك وكيف وصلت إلى المرحلة التي اعترفت فيها بكل شيء أمام الرأي العام؟
 
علاقتي مع المخابرات ليست جديدة، فقد سبق أن تعاونت معهم للكشف عن شبكة لتهريب المخدرات بين إسبانيا وسويسرا، ونجحت في ذلك، وشعرت أنني أديت خدمة قومية بإنقاذ العديد من الأرواح من الوقوع في براثن المخدرات، وكنت سعيدا جدا بهذا الدور، رغم أنه كاد يكلفني حياتي.
 
ثم عرضوا علي هذا المشروع ولكن ليس في صورته النهائية وإنما أوهموني بأن الواجب القومي الوطني يحتم علي أن أدخل إلى المركز الإسلامي في جنيف وأن أبحث فيه عما وصفوه لي بأنها العناصر المخربة التي تفكر في إيذاء الوطن، ومن هذا المنطلق وافقت، وتقمصت شخصية الباحث عن الإيمان الحقيقي، ودخلت بين المسلمين المترددين على المركز وتقربت من مديره الدكتور هاني رمضان.
 
لكنني مع مرور الوقت اكتشفت أنهم مواطنون عاديون تماما، لا يضمرون شرا لأحد، ثم فرضت علي الظروف أن أتقرب أكثر فأكثر من الدروس الدينية، وتعرفت على الفقه وأصول الإيمان، وكانت تدور بيني وبين الإخوة هناك بعض الحوارات حول الروحانية الإيمانية وتأثير الإسلام على سلوك الفرد بينه وبين نفسه ومع المجتمع، واكتشفت بمرور الوقت إيجابيات كثيرة للغاية، دفعتني للتفكير جديا في الإسلام حتى بيني وبين نفسي وبعيدا عن المهمة التي كنت مكلفا بها.
 
 
ولكن هل شعرت بمرحلة يمكنك وصفها بأنها نقطة تحول في حياتك؟
 
نعم، عندما وجدت نفسي أصلي بمفردي صلاة الصبح، شعرت بشيء جديد وغريب في صدري، ولكنه كان مريحا بصورة لا يمكن وصفها، ثم بدأت أفكر في فلسفة اختيار هذا الوقت لأداء الصلاة، وأيقنت أنه لم يأت مصادفة أن يفتتح الإنسان يومه بهذه الصلاة.
ثم كررت تجربة الصلاة بمفردي مرات، كنت أجد شعورا جميلا بالراحة النفسية، لا أعهده من قبل، وأيقنت عندها أن الإسلام سكن في قلبي، وبدأت بالفعل مرحلة جديدة من حياتي.
 
 
وهل في هذه المرحلة بدأت تراجع مشاركتك مع جهاز المخابرات؟
 
لا، بل واصلت مهمتي في البحث عن "الأشرار"، ولم أجد شيئا في مركز جنيف سوى بعض التصرفات الفردية السلبية الخارجة عن القانون لأفراد ولا علاقة لها بالإسلام، وكنت أعتقد أن الكشف عنهم أمر ضروري لأنهم يسيئون إلى المسلمين بشكل عام، وحاولت الاستفادة من طاقات أولئك الشباب في أعمال أخرى يستفيدون منها، ولكن حدث ما حدث.
 
ثم أرسلتني المخابرات إلى دول مختلفة مثل النيجر واليمن ومصر وموريتانيا وسوريا وتركيا تحت غطاء التعرف على الإسلام. ولكن الهدف الأساسي كان جمع معلومات عن العناصر الجهادية الراغبة في التوجه إلى العراق. وأيضا لم أجد علاقة بين سويسرا وما حدث هناك، وكتبت في تقريري أن هذه النزعة الجهادية رد فعل طبيعي على الحماقة الأميركية في الشرق الأوسط وغياب الحقوق وانتشار الظلم.
 
طالبت بعدها بإنهاء المهمة، لكنني فوجئت بالرفض، وقال لي ضابط الاتصال إذا لم تجد الدليل فلدينا من المعطيات ما يمكننا من صناعته، وشرح لي كيف يجب على أن أضع رسائل مزورة فيها اعترافات أشخاص بالتوجه إلى العراق للجهاد هناك على مكتب الدكتور هاني وفي الحاسوب الخاص به، ومن هنا تأتي الأدلة من قلب إدارة المركز الإسلامي بجنيف.
 
لم أتردد لحظة واحدة في رفض هذه المهمة لأنها ليست لها أي صلة بأمن وسلامة سويسرا، بل مجرد افتراءات وأكاذيب ملفقة وحاولوا بعدها مرارا إقناعي بشكل أو بآخر، وكان الرفض هو جوابي الوحيد.
 
 
قيل إنك طالبت بأموال باهظة لتنفيذ خطتهم، وأن المال هو سبب الخلاف الرئيس؟
 
بالطبع سيقولون هذا الكلام لتبرئة أنفسهم، لكن الواقع أنني أحسست في هذه اللحظة أنني أمام نقطة فاصلة بين الحق والظلم، ولم يكن هناك نقاش حول المال، بل كان نقاشا حول القيم والمبادئ والمصلحة العليا للوطن والضمير والقانون والحق والعدالة، وعموما عندي تسجيلات مدتها 5 ساعات كاملة تمت بيني وبين ضباط المخابرات، تثبت صحة أقوالي.
 
 
كلود كوفاسي أشهر إسلامه في سويسرا
(الجزيرة نت)

ولكن لماذا حرصت على هذه التسجيلات؟؟
 
لقد شعرت بعد أول مواجهة أثناء رفضي الخطة "ممفيس"، بأن هناك إصرارا على محاولة إقناعي بشكل أو بآخر، وقد عقدت العزم فعلا على عدم استكمالها، وخشيت بالفطرة أن يتم إرغامي على ذلك أو أن أكون أنا المتورط في النهاية أو يتم التخلص مني لأنني عرفت أكثر مما ينبغي، فأكثر ما يثير حفيظة رجال المخابرات هو أن تكتشف أخطاؤهم أو عدم مشروعية عملهم، ونحن نعيش في دولة قانون والهدف من العملية كما أفهموني في أولها هو حماية دولة القانون من الأشرار، الذين لم أجدهم بالفعل ولا يمكن اختلاقهم.
 
لم أجد مفرا من تسجيل جميع اللقاءات التي تمت بين وبينهم في الأيام الأخيرة، حين أيقنت أنني لن أتراجع عن مواقفي وهم لن يتراجعوا عن مخططهم، فقد عرضت عليهم إغلاق الملف وأن أذهب في حالي، ولكنهم هددوني وقالوا إنه لا طريق أمامي سوى استكمال الخطة، لكنني قررت ألا أخون ضميرى وألا أسيء لأناس لم أر منهم سوى كل خير، فلجأت للتسجيلات واحتفظت بها لضمان سلامتي الشخصية.
 
 
وهل كان لجوؤك للإعلام وسيلة دفاعية أم انتقامية؟
 
كان وسيلة دفاعية لأنني لم أجد مفرا من الدفاع عن نفسي وحمايتي إلا من خلال الإعلام والرأي العام، وبعد أن اعترفت وتعرضت شقتي للتدمير والفوضى، وتعرض لي شابان في الطرق العام وحاولا استفزازي والاعتداء علي بالضرب، أدركت أنني في خطر حقيقي، ثم فررت إلى إسبانيا ومنها إلى مصر لأنني على ثقة بأن هناك من يتتبعني وحتى اليوم.
 
 
وكيف تعيش حياتك الآن؟
 
كان معي بعض المال عندما فررت إلى مصر، وساعدتني بعض الصحف السويسرية التي أجرت معي أحاديث ببعض المال أيضا، وعندما عدت إلى سويسرا لم يكن أمامي سوى الحصول على إعانة اجتماعية لمواجهة ضروريات الحياة، فمن يمكنه أن يقدم وظيفة لشخص مثلي الآن؟
أعيش بشكل عادي، وبالطبع لي أصدقاء يثقون بي، وأحيانا يتعرف علي بعض المارة في الطريق العام ويلقون علي بالتحية، حتى إنني كنت ذات مرة في أحد المقاهي وتعرف علي النادل هناك، فأتى صاحب المقهي ورحب بي شخصيا.
 
 
ألا تخشى من التعرض لعقوبة إفشاء أسرار عليا؟
 
أنا؟ بالطبع لا، بل على العكس أنا أشعر بأنني أديت واجبي تجاه إنسان لم يقدم إلا الخير لكل من حوله، ولم أسمع منه أي أذى، وأشعر أيضا بأنني قدمت للساسة في بلادي خدمة لفحص ملف المخابرات، كي لا يتم اتهام بلادي بأنها مزدوجة المعايير.

المصدر : الجزيرة