نيكولا ساركوزي (يسار) سارع لزيارة الصين بعد ستة أشهر من توليه مهماته (رويترز)


عزت شحرور-بكين

بخلاف جيرانه في ألمانيا وإيطاليا، لم يقم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي باستفزاز الصين ولم يشارك في السباق الأوروبي لاستقبال الدالاي لاما الذي تعتبره بكين "منشقا سياسيا" يسعى إلى تقسيم الوطن كما تقول.

وبخلاف قوى دولية أخرى فإن فرنسا لا تتوجس ريبة من تنامي القوة العسكرية الصينية، بل وتحمل لواء رفع حظر تصدير السلاح الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على الصين منذ ما يقارب عقدين من الزمن.

وبخلاف نظرائه من الرؤساء الفرنسيين السابقين فإن ساركوزي لم ينتظر عامين كاملين قبل أن يزور الصين بل حزم حقائبه ويمم شطر الشرق الآسيوي في أول زيارة له إلى بكين ولم يمض على توليه مهماته سوى ستة أشهر، مما يدل على تنامي أهمية العلاقات بين بكين وباريس.

"
كما فتحت بكين أبوابها للرئيس الفرنسي فإن ساركوزي رد التحية بأحسن منها ففتح لها أبواب نادي الكبار
"
ساركوزي والصين
فرنسا كانت الدولة الأوروبية الأولى التي اعترفت بالصين الشيوعية وأقامت معها علاقات دبلوماسية عام 1964 وحافظ الجانبان منذ ذلك الحين على مواقف سياسية متقاربة تجاه قضايا إقليمية ودولية.

بعض هذه المواقف معارضتهما للحرب على العراق إلى جانب سعيهما لإصلاح الأمم المتحدة وإرساء قواعد عالم متعدد الأقطاب يكسر حدة الأحادية القطبية.

ساركوزي بدأ زيارته من عاصمة الصين التاريخية شيآن للوقوف على أطلال موروثها الثقافي والحضاري، في محاولة على ما يبدو للاقتراب أكثر للتعرف على روح الصين، فالتنين النائم الذي حذر مواطنه الفرنسي نابليون بونابرت من استيقاظه ها هو يصحو ويفرض التعامل معه قبل أن يهز العالم.

القمة الحالية بين العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدولي كان لابد أن تتوقف عند بؤر التوتر الساخنة في العالم خاصة الملف النووي الإيراني، ولكن مع التباين في مواقفهما تجاه هذه القضية فقد فضل الجانبان الحديث بلغة ضبابية وفضفاضة بدعوة طهران إلى مراعاة المخاوف الدولية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

إقرار باريس بدور الصين المتنامي في القارة الأفريقية أدى إلى فرض ملف دارفور على جدول أعمال القمة التي ترافقت مع تهديدات متمردي الإقليم باستهداف قوات حفظ السلام الصينية.

الرئيس الصيني خو جينتاو أكد بعد القمة أن "الجانبين اتفقا على ضرورة تعزيز التعاون الدولي متعدد الأطراف والتعاون في قضايا التغير المناخي وأمن الطاقة والتنمية المستدامة والتعاون لتهدئة بؤر التوتر الإقليمية والدولية في العالم".

وكما فتحت بكين أبوابها للرئيس الفرنسي فإن ساركوزي رد التحية بأحسن منها ففتح لها أبواب نادي الكبار قائلا "اقترحت توسيع مجموعة الثماني لتصبح مجموعة الثلاثة عشر وضرورة انضمام الصين إليها لأن القوى الدولية الكبرى باتت بحاجة إلى الصين".

"

حجم الصفقة أدى إلى تراجع الحديث عن حقوق الإنسان والحريات الدينية، فعند الحديث عن الاقتصاد بلغة الأرقام تتراجع كل القضايا الأخرى

"

اقتصاد أم سياسة
التقارب السياسي الواضح في مواقف البلدين خلال السنوات الماضية لم ينعكس تماما على العلاقات الاقتصادية بينهما.

خلل حاول الجانبان إصلاحه بالتوقيع على اتفاقيات  عدة كان أهمها بناء مفاعلين نوويين فرنسيين لسد حاجة الصين المتنامية للطاقة وصفقة أخرى لشراء مائة وستين طائرة إيرباص أوروبية الصنع قدرت جميعها بنحو ثلاثين مليار دولار.

وأيضا توقيع اتفاقية تعاون في مجال التغيرات المناخية هي الأولى من نوعها التي توقعها الصين مع دولة أجنبية. واعتبرت الاتفاقيات بمجملها أكبر صفقة يوقعها الجانبان منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

حجم الصفقة أدى إلى تراجع الحديث عن قضايا حقوق الإنسان والحريات الدينية التي عادة ما يحملها المسؤولون الأوروبيون في زياراتهم إلى الصين، فعند الحديث عن الاقتصاد بلغة الأرقام تتراجع كل القضايا الأخرى.

بل إن الحديث والتوجسات الفرنسية من قضايا إغراق البضائع الصينية الرخيصة للأسواق الأوروبية والخلل في الميزان التجاري وحقوق الملكية وكثير غيرها من القضايا، لم تجد لها مكانا على أجندة الزيارة.

أو ربما اختار ساركوزي تأجيل جميع القضايا الخلافية إلى حين انعقاد القمة الصينية/الأوروبية في بكين في الثامن والعشرين من الشهر الجاري، وإنه موعد لناظره قريب.

المصدر : الجزيرة