التعامل الأمني السيء مع أبناء الضواحي عزز لديهم شعورا بالتهميش (الفرنسية) 
 
مرة أخرى تسرق الضواحي الباريسية أضواء السياسة بفرنسا بعد الاضطرابات التي تشهدها إحدى الضواحي الشمالية للعاصمة باريس منذ يومين إثر مقتل شابين بعد اصطدام دراجتهما النارية بسيارة للشرطة.
 
إذ أحيت هذه الاضطرابات، التي تركزت بمنطقة فيلييه لوبيل شمالي باريس وتسببت في جرح نحو 82 شرطيا، هواجس التوترات الاجتماعية الخامدة خصوصا بين أبناء الجيل الثالث من المهاجرين.
 
ورغم أن الحكومة الفرنسية اختارت هذه المرة اعتماد منهج الهدوء والحذر في التعامل مع هذه الأحداث تجنبا لصب الزيت في النار التي سلكها في أحداث خريف 2005 وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي بوصفه الشباب أبناء الضواحي بـ"الحثالة"، فإن العديد من المتتبعين ما زالوا يعتبرون هذا المشكل برميل بارود قابلا للانفجار في أي لحظة.
 
وبعيدا عن الرواية الرسمية المتداولة التي ربطت انفجار الأحداث الأخيرة بالحادث المعزول لمقتل شابين من أصول مغربية، فإن هناك إجماعا على أن العوامل الاجتماعية والسياسية والأمنية تظل أسبابا حقيقية وراء غضب من يسمون في الصحافة الفرنسية بـ"شباب المناطق الساخنة".
 
 فيلون (يمين) وأليو ماري(يسار) التزما مواقف حذرة اتجاه الأحداث (الفرنسية)
تهميش وإقصاء
المتخصص في شؤون الهجرة بفرنسا عبد اللطيف شريف يذهب إلى أن أبناء المهاجرين من مجتمع الضواحي يعانون التهميش والإقصاء والبطالة وانسداد الأفق الاجتماعي.
 
واعتبر في اتصال مع الجزيرة نت أن التعامل السيء للسلطات خصوصا على المستوى الأمني عزز لديهم شعورا بالتهميش والتمييز، رغم وعود الحكومات الفرنسية المتعاقبة بمكافحة ذلك.
 
ولم يختلف رشيد قاسي مستشار الرئيس الفرنسي ساركوزي في شؤون الهجرة بشأن أن الدوافع الاجتماعية وانعكاساتها السلبية تشكل سببا رئيسيا في غضب شباب الضواحي.
 
وأكد في اتصال مع الجزيرة نت أن الحكومة تصر على التعامل مع تلك الأحداث بروية وهدوء بهدف عدم السقوط في التضخيم والمبالغة التي من شأنها تأجيج الأوضاع.
 
وفعلا أجرى الوزير الأول الفرنسي فرانسوا فيلون أمس اتصالا هاتفيا مع والدي الشابين القتيلين وأكد لهما أنه سيتم بذل كافة الجهود للكشف عن حقيقة الحادث.
 
لكن هذا التعامل الحذر للسلطات مع هذه الأحداث بهدف "التخفيف من حدة التوتر" يرى متتبعون آخرون أنه لا يعبر عن رؤية موحدة من طرف الحكومة الفرنسية.
 
ساركوزي دعا لاجتماع أمني عاجل لمواجهة أحداث الضواحي (الفرنسية) 
عملية تجميل
ويرى الصحفي مصطفى طوسة من إذاعة فرنسا الدولية، أن وزيرة الداخلية ميشيل أليو ماري تعبر عن ذلك، إذ إنها لم تتعامل "ميدانيا" بطريقة استعراضية مع الأحداث لكنها أبدت في تصريحات تخوفها من وجود أيد خارجية خفية وراء اندلاعها.
 
وقال للجزيرة نت إن هذه التصريحات لا تصب في خانة التهدئة، ويؤكد بالمقابل أن السياسات التي اعتمدها ساركوزي بهدف تحقيق الاندماج الاجتماعي تمثل فقط عملية تجميل لم تستطع إخراج أحياء الضواحي من عزلتها التامة.
 
لذا لم يتأخر ساركوزي في الدعوة مساء اليوم لدى عودته من الصين إلى عقد اجتماع أمني عاجل لبحث سبل وقف الاضطرابات والشغب بالضواحي الباريسية.
 
ومرة أخرى يجد ساركوزي نفسه في مواجهة شباب الضواحي الغاضب الذي تصل نسبة البطالة في أوساطه إلى 50%، فهل سيتمكن هذه المرة باعتباره رئيسا للجمهورية من إيجاد حلول لهذه المعضلة التي أضحت ورقة سياسية مؤثرة في السياسة الفرنسية الداخلية؟

المصدر : الجزيرة