أكبر مقبرة في العالم (الجزيرة نت)

فاضل مشعل-بغداد

تمتد مقبرة وادي السلام لمسافة تحتل نحو ثلثي مساحة محافظة النجف وتحكي قبورها عبر آيات من القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو أبيات من الشعر العربي تواريخ أكبر الشخصيات الدينية والاجتماعية العراقية التي عاصرت تاريخ البلاد لنحو من ألف ومائتين من السنين، وما زالت تستقبل المئات من الموتى الجدد يوميا من مختلف دول العالم.

ويسرد الحاج مهدي ناصر أحد متعهدي دفن الموتى في مقبرة النجف بعضا من حكايات أصحاب القبور فيقول إن هذه المقبرة دشنت في عهد ابن عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورابع الخلفاء الراشدين الإمام علي رضي الله عنه.

ويضيف أن رحالة يمنيا يدعى صافي صفا حمل والده المتوفى ليدفنه فيها بعد أن سمع أنها شهدت انطلاق سفينة نوح ودفن فيها أنبياء مثل هود وصالح ونوح وذي الكفل وغيرهم.

وبحسب متعهدي دفن الموتى الذين تنتشر المئات من مكاتبهم في الشوارع الرئيسية للمقبرة، فإن "الإمام علي دفنه ولداه الحسن والحسين بعد مقتله على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم في هذه المنطقة التي كانت تسمى وقتذاك الربوات الثلاث وتبعد عن مركز الخلافة في الكوفة نحو 5 كلم".

هذه الربوات عبارة عن مجموعة من التلال المطلة على وادي النجف الملاصق لبحره الذي تقول الميثولوجيا الشيعية إن "سفينة نوح انطلقت منه وفي مكان ظل مخفيا عن العامة من الناس حتى الأيام الأولى من خلافة العباسيين خشية أن يتعرف عليه الخوارج".

ويروي محمد الموسوي صاحب مكتبة في مدينة النجف جانبا من تاريخ المقبرة، فيشير إلى أنها تضم رفات شخصيات عراقية برزت في مختلف حقول الحياة عبر القرون حيث يحرص ذوو الموتى على أن يدونوا أسباب موت كل واحد منهم على شاهدة القبر، إضافة إلى موتى مغمورين فهذا أنقذ جيرانه من الحريق وذاك دافع عن شرف عشيرته وآخر سقط شهيدا في الحرب ضد أميركا أو إيران.

شواهد القبور تروي تاريخ أصحابها (الجزيرة نت)

مقبرة وتاريخ
"الموت في كل عهد من هذه العهود قد ينسى تفاصيله الناس ولكنه باق في مقبرة النجف إلى الأبد" يقول الموسوي، فهنا قبور ضحايا المعارك التي خاضها العراق في العصر الحديث بدءا من المعارك ضد الاحتلال البريطاني في عشرينيات القرن الماضي إلى ضحايا القناصين الأكراد في شمال العراق منذ العهد الملكي من مارس/آذار 1921 حتى يوليو/تموز 1958.

وهنا أيضا -يضيف الموسوي- ضحايا الجمهورية الأولى بقيادة عبد الكريم (1958-1963) وضحايا الجمهورية الثانية بقيادة عبد السلام عارف (1963-1965) ثم الثالثة بقيادة عبد الرحمن عارف (1965-1968) فالرابعة بقيادة أحمد حسن البكر وحتى الخامسة بقيادة صدام حسين، وأخيرا ضحايا جمهوريتي الاحتلال السادسة بزعامة غازي الياور والحالية وهي السابعة بقيادة جلال الطالباني.

وينقل الموسوي نماذج من تعاريف شاهدة القبر بصاحبه هناك قبور كتبت على شاهدتها آيات مثل "ومن قتل مظلوما جعلنا لوليّه سلطانا"، وهناك من اختار قبرا دارسا واكتفى بأن وضع فوق تراب قبره صخرة تحمل مقولة النبي الأكرم "خير القبور الدوارس"، وهناك من شيد بنيانا وانتقى من الشعر العربي القديم مثل قول طرفة بن العبد "أضاعوني وأي فتى أضاعوا" أو "أنا فلان بن فلان قتلني فلان لأنني.." وهكذا تختلف حكايات أصحاب القبور.

ويجزم كاظم وادي صاحب مكتب لدفن الموتى أن "الدفن في هذه المقبرة لا يقتصر على أتباع المذهب الشيعي الذين ينقلون إليها موتاهم من كل بقاع الدنيا بل إن هناك موتى من مذاهب أخرى ولعل الأبرز فيها أن قبور الموتى تحكي قصة كل واحد من ملايين الذين يرقدون إلى الأبد في هذه البقعة من الأرض التي تجاور وادي النجف".

كما تحكي بقايا الحديد المبعثر وآلاف القبور المهدمة قصة معارك دارت يوما داخلها، حيث يقول وادي إن معارك عنيفة دارت بين شوارع وأزقة المقبرة أشهرها تلك التي قادها حسين كامل وزير دفاع صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي ضد أبناء المدينة في الانتفاضة الشعبانية في مارس/آذار 1991.

وهناك أيضا "المعارك التي خاضها التيار الصدري ضد القوات الأميركية في شتاء عام 2004 وقبلها المطاردات الدامية التي شنتها قوات أمن صدام حسين ضد ثوار مدينة النجف في مايو/أيار 1974 وفي كل هذه المعارك سقط المئات من القتلى ودفنوا في المكان الذي قتلوا فيه".

المصدر : الجزيرة