سيدي أحمد ولد أحمد سالم
 
منذ سبعينيات القرن الماضي سيطر التوجه الماركسي على أغلب الحركات السياسية الكردية، فأسست الشبيبة الكردية (نوادي الثقافة الثورية الديمقراطية) وظهرت جمعية النساء الثورية الديمقراطية، وجمعية المعلم الديمقراطي وغيرها من التنظيمات اليسارية.
 
الانطلاقة اليسارية
وفي خضم هذا الحراك انبثق حزب العمال الكردستاني سنة 1979 من منظمة شيوعية تركية كانت تدعى منظمة الشباب الثوري، وكان عبد الله أوجلان عضوا فيها حين كان طالبا في كلية العلوم السياسية بأنقرة.
 
وقد تبنى الحزب منذ تأسيسه توجها ماركسيا لينينيا يتجسد ذلك في اعتماده الثورة أداة للنضال والتحرر عن تركيا. وفي برنامج الحزب نجد ما نصه "إن حزبنا المتأسس في السبعينيات عبارة عن حركة اشتراكية ثورية تسعى إلى التحرر الوطني".
 
وتجلت الممارسة الشيوعية للحزب في التنظيم الهيكلي الدقيق، فكان أوجلان يرأس الحزب ويحيط به مكتب قيادي من ستة أشخاص يرأس كل واحد منهم مكتبا. وتجلت الممارسة الشيوعية كذلك في شروط الانتساب حيث يمر العضو الجديد بفترة اختبار تبلغ ستة أشهر تتوج بموافقة اللجنة المركزية على العضوية.
 
وربما كان في إطلاق لقب "آبو" على عبد الله أوجلان والتي تعني العم تأسيا بالزعيم الفيتنامي هو شي منه الذي كان يطلق عليه لقب العم. كما تحالف الحزب مع تنظيمات يسارية رادكالية فلسطينية وغيرها.
وإذا كان العمال الكردستاني تنظيما شيوعيا فإن الأحزاب الكردية في العراق وإيران ذات توجه قومي.
 
الخطاب القومي
عبد الله أوجلان
ومع تفكك الأنظمة الشيوعية بالاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية في ثمانينيات القرن الماضي وظهور التيارات الدينية بالعالم العربي والإسلامي، بدأ الكردستاني يتخلى عن مرجعيته اليسارية.
 
وقد وصفت وثائق الحزب خلال مؤتمره الخامس المنعقد في يناير/ كانون الثاني 1995 الاشتراكية السوفياتية بالبدائية. كما غير الكردستاني بعد هذا المؤتمر شكل علمه مستبدلا صورة المطرقة والمنجل بشعلة.

وقد صدرت عن أوجلان تصريحات ذات بعد قومي، فعند التقائه السياسي اليميني الألماني النائب هنريش لومر منتصف تسعينيات القرن الماضي أكد أهمية إنشاء الدولة على أسس قومية.
 
كما أكد في مقابلة مع جريدة لوفيغارو الفرنسية أن "ماوتسي تونغ وهو شي منه لم ينجحا إلا بفضل القومية الصينية والفيتنامية القائمتين على تاريخ وثقافة وأصول اجتماعية".
وفي أبريل/ نيسان 1991 قال أوجلان إنه سيوظف الدين في المقاومة الكردية وإنه سيتجاوز إيران. وقد وقع حزب العمال في مارس/ آذار 1993 بروتوكول اتفاق مع حزب الله الكردي ذي التوجه الإسلامي ليوحدا جهودهما ضد أنقرة.
 
الجنوح نحو السلم
ومنذ اعتقال أوجلان بنيروبي في فبراير/شباط 1999 ومع حصول تغييرات إقليمية من أبرزها التقارب السوري التركي، أصبح خطاب العمال الكردستاني السياسي أكثر جنوحا إلى السلم وانخفض سقف مطالبه متنازلا عن الاستقلال ومكتفيا بتحقيق حكم ذاتي كردي داخل نظام فيدرالي تركي.
 
ويظهر هذا الطرح السلمي الذي يحمل توجها ليبراليا في كتاب عبد الله أوجلان (من دولة الرهبان السومرية نحو جمهورية ديمقراطية) الذي يبشر بمشروع فدرالية الشرق الأوسط، وضرورة التعايش السلمي بين شعوب المنطقة.
 
ويرى الكاتب هوشنك أوسي الباحث بمجلة سورغول الكردية المعنية بالبحث والتوثيق والتحليل أن "الموقف الفكري لحزب العمال الكردستاني أصبح يتبنى الطروحات السلمية ومشروع الدولة الوطنية في تركيا وغيرها من البلدان التي تحتوي أقليات تركية ضمن حدود تلك البلدان".
 
ويصف أوسي التوجه الراهن للحزب بأنه "ليس باليساري ولا بالقومي ولا الإسلامي بل هو توجه ليبرالي لم ينس أصحابه إرثهم اليساري".

المصدر : الجزيرة