قراءة في أسباب تراجع اليسار الأوروبي
آخر تحديث: 2007/11/3 الساعة 01:39 (مكة المكرمة) الموافق 1428/10/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2007/11/3 الساعة 01:39 (مكة المكرمة) الموافق 1428/10/23 هـ

قراءة في أسباب تراجع اليسار الأوروبي

 الفرنسيون صوتوا لصالح اليمين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية (الفرنسية-أرشيف)

بعد مرور عقد من سيطرتها على الحكومات في شتى أنحاء أوروبا بفضل وعودها لانتهاج "الطريق الثالث"، تمر الأحزاب اليسارية حاليا بأزمة شديدة الصعوبة وضعتها في آخر أولويات الناخب الأوروبي سواء على صعيد استطلاعات الرأي أو الانتخابات البرلمانية.

 

ويعزو البعض هذا التراجع إلى أسباب تتجاوز الأيدولوجيات أو الضغوط الناجمة عن تمدد أنصار العولمة على حساب مفهوم العدالة الاجتماعية، وصولا إلى أخطاء وعيوب داخلية محضة.

 

ويبدو ذلك واضحا في اليونان وبولندا شرقا وهولندا غربا، علما بأن مشاكل اليسار في ألمانيا وفرنسا تبدو أصعب بكثير في الوقت الذي يرى فيه اليسار الإسباني نفسه يعيش عصرا ذهبيا.

 

ففي ألمانيا سجل الحزب الديمقراطي الاشتراكي -وهو حزب صغير في الائتلاف الحكومي الكبير- تراجعا غير مسبوق في نسبة التأييد الشعبي له بلغ 25% فقط، وهو أدنى معدل له منذ سنوات.

 

ويعزى ذلك إلى تخلي الناخبين الألمان عنه لصالح المحافظين بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل، ولصالح جماعة جديدة تنتمي إلى أقصى اليسار تطلق على نفسها اسم "دي لينك" أي الجسر.

 

انقسامات داخلية

وكما هو الحال بالنسبة لاشتراكيي فرنسا الذين يحاولون استعادة موقعهم بعد خسارة الانتخابات البرلمانية والرئاسية على يد اليمين المحافظ بزعامة نيكولا ساركوزي، يخوض الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني صراعا داخليا بين تيار الاعتدال الذي يطالب بإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية للدولة وبين تيار أقصى اليسار الذي ينادي بالحفاظ على مبادئ الحزب وتوجهاته مهما كانت التضحيات.

 

براون يفتقد كاريزما بلير البلاغية
(رويترز-أرشيف)
ويرى الخبراء والمراقبون أن هذه الانقسامات كانت السبب المباشر في تشويه صورة اليسار الألماني والفرنسي أمام الناخبين الذين فضلوا الانتقال إلى أحزاب أخرى تقدم لهم أجوبة واضحة حول مسائل شائكة مثل العولمة والأمن والهجرة.

 

يقول خبير العلوم السياسية الفرنسي إيمانويل لوماسون "أعتقد أن هذين الحزبين -الاشتراكي الفرنسي والديمقراطي الاشتراكي الألماني- يواجهان نفس المشكلة التي تتمثل في أن بعض الأعضاء يعتقدون باستحالة الحفاظ على آلية الرعاية الاجتماعية للدولة في السياق الاقتصادي الراهن، بينما يود آخرون الحفاظ على الحل الوسط الاشتراكي الذي تحقق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".

 

غياب الكاريزما

ويرى مراقبون آخرون أن هذه الانقسامات التي تعيشها أحزاب يسار الوسط في أوروبا ليست سوى جزء من التركة التي خلفها زعماء مثل غيرهارد شرودر في ألمانيا وتوني بلير في بريطانيا الذين دفعوا بأحزابهم من اليسار إلى الوسط وعلى نحو جعل الناخب العادي لا يرى أي فارق بينهم وبين اليمين المحافظ.

 

ولعل من أكثر الأشخاص إحساسا بوطأة هذه التركة هو رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون الذي يتعرض لضغوط من داخل حزب العمال لتوجيه الدفة إلى اليسار، سعيا لوقف التقدم الكبير الذي يحققه منافسه زعيم حزب المحافظين ديفد كاميرون على صعيد استطلاعات الرأي.

 

ويرى البعض أن غياب القادة الذين يتمتعون بالكاريزما السياسية والبلاغية كان واحدا من الضربات القاسية التي لحقت باليسار الأوروبي.

 

فبراون في بريطانيا يفتقر إلى السحر البلاغي لبلير، في حين يوصف زعيم الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني كورت بيك بأنه شخص باهت مقارنة بسلفه شرودر.

 

أما الفرنسيون فلا يزالون يبحثون عن زعيم ينتشلهم من مأساتهم، في حين يتصدى رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي لهجوم كاسح من سلفه المحافظ سيلفيو برلسكوني الذي يتصدر استطلاعات الرأي.

 

ورغم الخسائر المتلاحقة التي يمنى بها اليسار الأوروبي تبقى إسبانيا حالة استثنائية، إذ يتقدم رئيس الوزراء الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيرو بفارق كبير على منافسيه المحافظين قبل الانتخابات التي تجري في مارس/ آذار المقبل، ما يجعل مدريد المعقل الوحيد الصامد لليسار في القارة الأوروبية.

المصدر : رويترز