المهدي بن بركة اختطف سنة 1956 ومازال حقيقة ملفه لم تظهر إلى الأن (الفرنسية-أرشيف)


محمد أعماري-الدوحة

اختطف واختفى منذ أربعة عقود، لكن قضيته تأبى الاختفاء، وبات الكثيرون مقتنعين أنها لا تخفي فقط ألغازا بل تضمر أيضا مصالح يخشى البعض تبخرها مع أول خيط ضوء يسلط على الملف.

في أحد أيام سنة 1965 كان المعارض اليساري المغربي المهدي بن بركة -حسب ما تحكي إحدى الروايات عن قصة اختفائه- على موعد مع منتج ومخرج سينمائيين بساحة أمام أحد مطاعم باريس. وكان موضوع اللقاء فكرة إنتاج فيلم عن نهاية الاستعمار، لكن بن بركة أتاه أشخاص آخرون اختطفوه وأخرجوا بذلك مسلسلا لم تنته حلقاته إلى اليوم.

سد المصالح المنيع
منذ يومين أصدرت الشرطة الجنائية الدولية (إنتربول) في قضيته أربع مذكرات جلب وإحضار ضد مسؤولين مغاربة بعد صدور مذكرات مماثلة عن قاضي التحقيق الفرنسي باتريك رامييل قبل أسابيع.

قضية بن بركة يرى متتبعون أنها من الصنف الذي تكبح فيه السياسة جماح القضاء، وتقف فيه المصالح السياسية سدا منيعا أمام ما سواها.

فالبشير بن بركة، نجل المهدي، يعتبر اختطاف والده "جريمة سياسية بقرار مغربي وبتواطؤ أمني فرنسي وبإشراف من المخابرات الإسرائيلية والأميركية".

ويضيف في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت أن "القضاء الفرنسي يواجه في هذا الملف مصالح الدول الكبرى"، وأن "الحكومات الفرنسية والمغربية المتوالية لم تستطع حسم القضية ولا حتى مساعدة العائلة والقضاء للوصول إلى الحقيقة."



نزوعات استعمارية
وبينما يرمي نجل المعارض المغربي الكرة في ميدان باريس والرباط، تلتقطها وزارة العدل المغربية لتلقي بها على القاضي الفرنسي متهمة إياه عبر بيان لها "بممارسة ضغوط خارجية عبر تسريبات ممنهجة لبعض وسائل الإعلام."

وتذهب لهجة البيان بعيدا إلى وصف إجراءات القاضي الفرنسي "بالتحيز والاستفزاز" وبأنها "تحركها نزوعات استعمارية متجاوزة".

"
قضية بن بركة يرى متتبعون أنها من الصنف الذي تكبح فيه السياسة جماح القضاء، وتقف فيه المصالح السياسية سدا منيعا أمام ما سواها
"
أما الصحفي المغربي والناشط الحقوقي أحمد ويحمان فيبدو أكثر وضوحا في اتهام فرنسا بتقديم المصالح على القيم، فلباريس بنظره "مصالح تدفعها لأن تغطي على الجريمة وتحافظ على علاقاتها مع الرباط" ناعيا "قيم الجمهورية التي غابت وحضر بدلها ابتزاز الاستعمار".

ويؤكد ويحمان –الذي يعد صديقا لعائلة بن بركة- أن "الجنرال شارل ديغول وصل لحد قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب بدعوى ارتكاب الجريمة من وراء ظهره يوم كان رئيسا، لكن الدولة الفرنسية رغم ذلك لم تفعل حتى الآن شيئا يذكر لكشف الحقيقة".

وإذا كانت للدول الكبرى -وخصوصا فرنسا- مصالح لا تستطيع المجازفة بها للكشف عن مصير معارض مغربي، فإن هناك أطرافا من اليساريين المغاربة يتهمهم ويحمان في حديث للجزيرة نت بأن "فضيحتهم أكبر في قضية المهدي من فضيحة فرنسا والمغرب".



تعامل تكتيكي
فهؤلاء بنظر ويحمان "يستغلون الملف لأهداف سياسية" وخصوصا "بعض الاتحاديين (يقصد قادة بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) الذين وصلوا إلى مجدهم على إرث المهدي بن بركة، ولما استقروا في مواقع المسؤولية الحكومية وخاصة وزارة العدل، لم يفعلوا شيئا ولم تكن لهم القدرة حتى على تحريك الدعوى العمومية وفق ما يخوله لهم القانون.

وفي مقابل قساوة لهجة ويحمان تجاه الاتحاد الاشتراكي الذي كان دائما ينادي بالكشف عن حقيقة اختطاف بن بركة وبنى كثيرا من شعبيته على ذلك، يكتفي البشير بن بركة بكلمات محسوبة لم يتجاوز فيها القول إن "تعامل الاتحاد الاشتراكي مع الموضوع تعامل تكتيكي".

اتهامات لم نجد من قادة الحزب من يرد عليها، فبعضهم هواتفهم مغلقة أو لا تجيب، وأمينه العام محمد اليازغي رفض الحديث بدعوى وجوده في زيارة عمل إلى لندن، ونائبه الأول ووزير العدل المغربي عبد الواحد الراضي اكتفى بالقول إن "مواقف الحزب في القضية واضحة" وإن بيان وزارة العدل "جامع ومانع" وليس لديه ما يزيده عليهما.

المصدر : الجزيرة + وكالات