البطريرك رمى الكرة في الملعب الآخر (الفرنسية-أرشيف)
 
نقولا طعمة-بيروت
 
بعد تردّد طويل واستذكار لتجارب مريرة سابقة عاشتها طائفته التي يقع على عاتقها اختيار رأس الدولة اللبنانية من بين نخبتها، رضخ البطريرك الماروني نصر الله صفير أخيرا لضغوط الداخل والخارج وقدم لائحة بأسماء يرشحها لتبوؤ سدة الرئاسة في إطار حل توافقي طالما أكد تمسكه به.
 
ولطالما ظلت عقدة الخروج بحل توافقي لمشكلة رئيس جمهوريّة لبنان هاجسا يؤرق رأس الطائفة المارونية في بلد تحدد مساره السياسي تركيبة طائفية تقضي بأن تختار كل طائفة رئيسها.
 
يقول عضو لجنة بكركي (مقر البطريركية) الرباعية المحامي يوسف سعادة -وهو ممثل تيار المردة فيها- للجزيرة نت إنّ "صفير تردّد في وضع اللائحة بسبب عدم توفر الضمانة له بتبنيها مسيحيا ووطنيّا".
 
ويقول المحلل السياسي الصحفي نقولا ناصيف للجزيرة نت إنّ "صفير طلب ضمانات من رئيس مجلس النواب نبيه برّي ورئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري بأنّهم سيتبنون لائحته قبل تقديمها".
 
ويعلن الوزير السابق ناجي البستاني للجزيرة نت أنّ "صفير وصل إلى التسمية ليس برضاه. فالتسمية بالمطلق إحراج له لأن ذلك يخلق له إشكالا نتيجته أن الكثرة لن تكون راضية".
 
ويضيف "القيادات وضعت الكرة في ملعبه (صفير). وإذا لم يسم المرشحين، يتّهم بأنّه سبب المشكلة".

  بكركي مقر البطريركية المارونية (الجزيرة نت)
الرئيس واحد
لكن صفير رمى الكرة في الملعب الآخر. وسلّم بضعة أسماء متنوّعة المشارب، فمن المعارضة رئيس التيار الوطني الحرّ العماد ميشال عون، ومن الموالاة النائب بطرس حرب والنائب السابق نسيب لحود إضافة إلى أسماء محايدة ذات لون تكنوقراطي اقتصادي مثل دميانوس قطّار وجوزيف طربيه.
 
وأرسل صفير لائحة بالأسماء ولم يرشّح اسما محددا. يقول المحلل السياسي الصحفي نقولا ناصيف للجزيرة نت إنّ "بكركي لا تريد الدخول في التفاصيل السياسيّة. وصفير لا يضمن الرئيس المطلوب منه أن يقترحه، فربما لم يكن جيّدا. لذلك فضّل إرسال لائحة، ولم يرسل اسما".
 
ويرى مراقبون أن موقف صفير ينبع من التجارب المتكرّرة التي مرّت بها طائفته في صراع قياداتها على مركز الرئاسة. فمنذ تأسيس الكيان عام 1943، والطائفة تشهد صراعات داخلية على الرئاسة حتى اعتبر البعض أن الخوف على مصير الطائفة ينبع من توليها سدّة الرئاسة، مما يسبب الصراعات الداخلية التي تضعفها.
 
يقول الوزير السابق ناجي البستاني إنّ "المشكلة في الطائفة المارونيّة هي أن الرئيس منها". ويقول ناصيف إنّ "القيادات المارونيّة لا تتفق على رئيس لأن الكلّ مرشح، وهي شهدت صراعات داخليّة بسبب ذلك".
 
صراعات حاضرة
يوضح البستاني أنّ "صراعات حادّة شهدتها الطائفة، في الأربعينيات، كان الصراع بين الكتلة الوطنيّة والحزب الدستوري، وفي الخمسينيات بين بشارة الخوري وكميل شمعون، وفي الستينيات بين الشهابية وغيرها، وتواصلت حتى اللحظة الراهنة".
 
ولا تريد المرجعيات استذكار الأسوأ، حيث تحوّلت الصراعات داخل الطائفة
"
ناصيف: "صفير لا يريد تكرار تجربة 1988 عندما رفض الأميركيون لائحته"

"
من المستوى السياسيّ إلى العسكري إبان الحرب الأهلية بهدف السيطرة على الساحة المارونية، ومنها على الرئاسة، فكانت المجازر المتعددة.
 
آخر التجارب التي تخيف صفير كانت العام 1988 التي يجمع الكلّ على خشيته من تكرارها. يقول عضو بكركي يوسف سعادة إنّ "هذا التردّد لدى صفير نجم عن تجربة 1988 وعن الخلافات داخل الطائفة".
 
ويذكر ناصيف أنّ "صفير لا يريد تكرار تجربة 1988 عندما رفض الأميركيون لائحته" ويدرج البستاني أيضا الحدث في سياق الصراع التاريخي في الطائفة.
 
ويقدّم البستاني نصيحة للطائفة لتجاوز آثار الصراعات فيها بـ"نقد ذاتي خصوصا عند الاستحقاقات الهامة كرئاسة الجمهورية، حيث ينبغي أن تكون مصلحة الوطن فوق كل اعتبار".

المصدر : الجزيرة