ظلت منطقة شط العرب أرضا عراقية عربية خالصة منذ الفتح الإسلامي للعراق وحتى القرن الثامن عشر.
 
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أدركت بريطانيا أهمية هذه المنطقة من أجل تأمين طرق مواصلاتها البحرية والمائية فبدأت بالتدخل في شؤونها.
 
ومع اكتشاف النفط أوائل القرن العشرين زادت الأهمية الإستراتيجية لشط العرب، وخضعت هذه المنطقة منذ ذلك الوقت لحيل سياسية وقانونية بريطانية كثيرة. ورغم خروج القوات البريطانية فإن هذه المنطقة ظلت غير مستقرة حتى الآن.
 
التكوين الجيولوجي
تصنف العلوم الجيولوجية المنطقة الجنوبية من العراق وفي القلب منها منطقة شط العرب على أنها منطقة غير مكتملة التكوين الجيولوجي. وقد تكونت مياه شط العرب من التقاء نهري دجلة والفرات.
 
ويرى بعض الباحثين أن الترسبات التي كونها نهر كارون والأودية الآتية من الجهة الغربية سببت في نشوء سد في الخليج يعوق مياه الرافدين من الوصول إليه بسهولة، مما جعل مياهه تسير إلى المنخفضات المجاورة لتتجمع ثانية وتنزل تدريجيا نحو الخليج مكونة شط العرب.
 
ووفقا للموسوعة السياسية فإن نهر الفرات قد غير مجراه، فبعدما كان يلتقي بدجلة عند مدينة القرنة أصبح داخلا في هور الحمار ومنه تجري مياهه عن طريق جدول كرمة علي، ولذا فالقسم الواقع بين القرنة وكرمة علي يعتبر جزءا من دجلة. ويصب شط العرب في الخليج العربي.
 
يبلغ طول شط العرب 204 كلم، أما عرضه فمتفاوت فهو عند المصب يبلغ أكثر من كيلومترين، في حين يبلغ عند البصرة حوالي الكيلومتر الواحد.
 
أما الملاحة فيه فللبواخر البحرية ذات المغطس 32 قدما وذلك من مصبه في الخليج حتى ميناء المعقل قرب البصرة، لأن عمق المياه في هذه المسافة يتراوح بين تسعة وثمانية عشر مترا فقط.
 
الأهمية الإستراتيجية
يكّون شط العرب المدخل الرئيسي من الساحل الشمالي للخليج إلى سهل العراق وامتداده في مناطق السهول الأخرى في الأراضي السورية، وأهميته الإستراتيجية مرتبطة بما لمنطقة الخليج من أهمية في مجال النفط.
 
كذلك لشط العرب أهمية اقتصادية في مجال الزراعة لا سيما زراعة النخيل حيث توجد عن مصب النهرين أهم منطقة بساتين نخيل في العالم، وقد لاقت هذه المنطقة اهتماما عراقيا خاصا منذ الفتح العربي حيث تم شق آلاف الجداول للاستفادة من المياه العذبة الكثيرة الموجودة هناك.
 
إطلالة تاريخية
رغم خضوع منطقة الخليج إلى الاحتلال الأوروبي لمدة أربعة قرون سواء على يد البرتغاليين والهولنديين والفرنسيين والإنجليزيين، فإن منطقة شط العرب بقيت عربية خالصة، وحافظت على عروبتها حتى في ظل الصراع الذي دار بين الفرس والترك تارة، وبين الترك والإنجليز تارة أخرى.
 
ويتخذ بعض الباحثين المؤرخين في نظرتهم لشط العرب ما جاء في "معاهدة قصر شيرين" بين الترك والفرس عام 1639، والتي يعتبرونها أول معاهدة لترسيم الحدود -بحسب مسوعة إنكارتا وموسوعة السياسة- والتي خلت من أي ذكر لشط العرب على أنه عربي التاريخ.
 
تدخلت بريطانيا في قضية الحدود بين الدولتين العثمانية والفارسية، وذلك حينما تعاظم نفوذها إبان القرن الثامن عشر وكان هدفها هو البحث في سبل تأمين مواصلاتها البحرية عبر الطرق المائية ومن بينها شط العرب.
 
ولتنفيذ هذه الإستراتيجية البريطانية أوعزت إلى الرحالة والدبلوماسي البريطاني السير أوستن هنري لايارد بوضع مشروع حدود تكون منطقة شط العرب فيه تابعة للدولة العثمانية على أن يعطي نهر بهمنشير إلى إيران. وهذا النهر عبارة عن فرع من نهر كارون يصب في الخليج وليس في شط العرب. ونشر لايارد مشروعه ذاك في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية في لندن عام 1848.
 
وتتابعت بعد ذلك الاتفاقات والمعاهدات الخاصة بالحدود بين الدولة العثمانية وفارس منذ 1843 حتى بروتوكول الآستانة عام 1913.
 
مع أوائل القرن العشرين اكتشف النفط في العراق وإيران وظهر أيضا في منطقة الأحواز العربية التي كانت تطلق عليها إيران "عربستان" أي بلاد العرب. فزادت أهمية منطقة شط العرب لبريطانيا في عمليات نقل النفط إلى الخليج ومنه إلى أوروبا.
 
وتقول موسوعة السياسة إن بريطانيا ضغطت على الحكومة العراقية سواء في الحرب العالمية الأولى أو إبان العهد الملكي لتقديم تنازلات في شط العرب، وحملتها على توقيع معاهدة عام 1937 التي أعطت بموجبها لإيران 16 كيلومترا من مياه شط العرب أمام عبدان وذلك لتأمين تحرك ناقلات النفط الإيراني من مصافي عبدان.
 
لم يقتنع الشاه محمد رضا بهلوي بهذه الكيلومترات فأعلن عام 1970 إلغاء معاهدة 1937 من طرف واحد بعد أن وضعت الولايات المتحدة يدها على أكثر من 80% من النفط الإيراني إبان حكمه وظهرت حاجتها أيضا لشط العرب.
 
معاهدة أرضوم الثانية
تعتبر معاهدة أرضوم الثانية التي وقعت عام 1847 بين الفرس والعثمانيين بوساطة كل من بريطانيا وروسيا واحدة من أوضح المعاهدات القانونية الخاصة بموضوع شط العرب، حيث نصت على وضع مدينة المحمرة ومينائها وجزيرة الخضر (عبدان) ومرساها والأراضي التي تقع على الضفة الشرقية أي الضفة اليسرى لشط العرب تحت السيادة الإيرانية.
 
كما نصت هذه المعاهدة على حرية الملاحة للسفن الإيرانية في الشط من مصبه حتى نقطة التقاء حدود البلدين. وكان الطرفان الفارسي والتركي على موعد للتوقيع على الاتفاقية السابقة الذكر، لكن الاختلاف حول تفسير بعض النصوص الواردة فيها واندلاع حرب القرم (1853-1856) حال دون التوقيع عليها.
 
وفي عام 1911 عاد الطرفان للتفاوض واتفقا على إرسال لجنة فنية لرسم الحدود وفقا لاتفاقية أرضوم الثانية، واتفقا كذلك أنه في حال الفشل هذه المرة يلجآن لمحكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، وقد سميت مخرجات هذا التفاوض ببروتوكول طهران، وقد فشل أيضا.
 
بروتوكول القسطنطينية 1913
استطاع مندوبو بريطانيا وروسيا وفارس والدولة العثمانية التوصل إلى توقيع بروتوكول جديد في القسطنطينية عام 1913 تضمن تعريفا للحدود العثمانية الفارسية، وترك للجنة رباعية مهمة تحديد الحدود، ونص على أنه "في حال الاتفاق على تحديد قسم من الحدود يعتبر ذلك القسم قد ثبت نهائيا ولا يكون عرضة لأي تدقيق أو تعديل فيما بعد".
 
وأضاف هذا البروتوكول "وفيما يخص شط العرب يخضع للسيادة العثمانية بالشكل الذي عليه في بروتوكول 1913".
 
معاهدة 1937
وفي عام 1937 وبعد عرض موضوع النزاع الحدودي بين العراق وإيران على عصبة الأمم اتفاق الطرفان بعد مفاوضات عسيرة بينهما على اعتبار بروتوكول القسطنطينية عام 1913 ومحاضر جلسات الحدود المؤرخة عام 1914 وثائق شرعية وملزمة للطرفين. ووقع البلدان على هذا الأمر وأصبحت هذه الاتفاقية نافذة المفعول منذ عام 1938 غير أنها استثنت فقط وبموافقة العراق مسافة  7 كلم مقابل عبدان تذهب إلى إيران، أما ما عدا ذلك "فيبقى خط الحدود بين البلدين كما هو مثبت في محاضر جلسات الحدود عام 1914".
 
أزمة 1969
في أبريل/نيسان 1969 انفجرت أزمة حدودية بين العراق وإيران حينما أعلن وكيل وزارة الخارجية الإيرانية أمام مجلس الشيوخ الإيراني نقض بلاده وبمبادرة انفرادية معاهدة الحدود الثنائية عام 1937، وصرحت هذه الوزارة بوجود مطالب تتعلق بالملاحة في شط العرب وبضرورة إعادة تعيين الحدود المشتركة. وتبرر موسوعة إنكارتا هذا التراجع بالرغبة في الحصول على منافع اقتصادية أكبر من ذي قبل فيما يتعلق بالنفط.
 
اتفاقية الجزائر 1975
وفي عام 1975 ولأهداف تتعلق برغبة عراقية في إخماد صراع الكرد المسلح الذي كان يقوده الملا مصطفى البارزاني المدعوم آنذاك من قبل الشاه محمد رضا بهلوي، قام العراق بتوقيع اتفاقية الجزائر مع إيران والتي تم بموجبها الاتفاق على ترسيم حدود شط العرب وفقا لما تريده إيران (وفق بروتوكول 1913).
 
ووافق الرئيس صدام حسين على الترسيم بناء على نقطة خط القعر كحدود بين الدولتين، ونقطة خط القعر هي النقطة التي يكون النهر فيها في أقصى حالات انحداره أثناء المد والجزر.
 
لكن مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 أصبحت هذه الاتفاقية ملغاة وأصبحت منطقة شط العرب واحدة من ميادين القتال.
 
ومنذ انتهاء الحرب عام 1988 وحتى الآن والوضع القانوني لشط العرب على ما هو عليه يحكمه بروتوكول القسطنطينية 1913 ومحاضر جلسات الحدود 1914 واتفاقية 1937.

المصدر : الجزيرة