وزير الاقتصاد المصري الأسبق الدكتور سلطان أبو علي (الجزيرة نت) 

عبد الحافظ الصاوي-القاهرة

لم تعد التنمية وعلاقتها بالديمقراطية قضية جدلية بين ردهات الساحات الأكاديمية، ولكن رجل الشارع في مصر يريد أن تتحقق الديمقراطية بجوانبها المختلفة بالتزامن مع تبني إستراتيجية واضحة للتنمية للخروج من المشكلات الاقتصادية والسياسية المتراكمة. وتبرز هذه المشكلات في تفشي الفساد، وتزايد معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، ورداءة العديد من الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة. وتأتي رغبة أفراد الشعب بعد أن ظلت الحكومة لفترات طويلة تعد بالإصلاح السياسي بعد إنجازها للإصلاح الاقتصادي والذي مضى عليه نحو 17 سنة دون الخروج من مشكلاتها الاقتصادية، وبذلك يقول البعض أبعد كل هذا الوقت لم يتحقق الإصلاح السياسي أو الاقتصادي.

وقد تناول وزير الاقتصاد المصري الأسبق وأستاذ الاقتصاد بالجامعات المصرية الدكتور سلطان أبو علي هذه الإشكالية في إصداره الجديد بعنوان "الديمقراطية والتنمية في مصر" مما دفع لعرض تساؤلات حائرة عليه تبحث عن إجابة لتفسير الواقع المصري الملتبس، فكان معه هذا الحوار:

من خلال التعريف الشامل للديمقراطية، يمكن القول إن مصر تعيش تجربة ديمقراطية منقوصة وبالتالي انعكس ذلك على مشروع التنمية، فكانت نتائجها غير مرضية. فإلى أي مدى يمكن لمصر التعايش مع هذه الحالة؟ وما هي التكلفة التي يتحملها الاقتصاد المصري؟

نحن فى مصر بصورة عامة نعاني مما يسمى الأصداف الخاوية. حيث يوجد الشكل لكثير من الأشياء ونفتقد المضمون، ففي مسألة الديمقراطية لدينا أكثر من 15 حزبا ويندر أن تجد أحدا يعرف أسماء هذه الأحزاب أو عددها على وجه التحديد، ولا يوجد لهذه الأحزاب وجود حقيقي في الشارع. وما نحتاجه بصورة عامة هو المضمون سواء عملية الديمقراطية أو غيرها، ولم يعد مقبولا أن نكتفي بالشكل والمظهر ونترك المضمون، وإذا لم نفعل ذلك فسوف تكون العواقب وخيمة لأننا كلما تأخرنا في الإصلاح السياسي والاقتصادي فإن الثمن الذي سندفعه سيكون غاليا. ولا بد أن ندرك أنه لا جراحة بدون ألم، أو غذاء بلا ثمن، فالمطلوب الآن الدخول بشكل جدي في عملية الإصلاح الفعلي، وذلك من أجل اتقاء ما قد يكون أكثر تكلفة لا قدر الله.

 الخطاب السياسي للحكومة ركز خلال الفترة الماضية على مقولة إن الإصلاح الاقتصادي أولاً ثم السياسي وكانت النتيجة أن ما تحقق لا يتناسب مع متطلبات المرحلة أو مواجهة التحديات التي تفرضها الظروف الاقتصادية. فما هو الوضع المناسب من وجهة نظركم بهذا الخصوص حتى تتحقق نتائج إيجابية لصالح الاقتصاد؟

من الناحية السياسية لابد أن تكون هناك مساءلة عامة على كافة المستويات من رئيس الجمهورية وحتى الخفير، كما ينبغي أن يكون هناك مشاركة لكافة شرائح المجتمع في الإصلاح، وهو ما يطلق عليه الاقتصاديون "التنمية الاحتوائية". وهذه مسألة ضرورية، فلا يستبعد أحد من المشاركة في عملية الإصلاح وممارسة الحق الديمقراطي أو النشاط الاقتصادي لمجرد أنه يختلف معنا في الرأي.

أما مسألة تأخر الإصلاح السياسي لحين الانتهاء من الاقتصادي، فقد تأخرنا كثيراً، وإذا ما أردنا أن نتدرج في تناول الأمر فيجب أن يكون تدرجا متسارعا، ففي الماضي كنا نأخذ خطوة ثم نتوقف ولا نستكمل ما بعدها من خطوات، لذلك تأخرت عملية جني ثمار التنمية السياسية أو الاقتصادية، فعملية الإصلاح لا تتم مرة واحدة ولكنها عملية مستمرة. فهي ليست حقنة دواء يأخذها المريض فيبرأ ولكنها مثل القذيفة التي تطلق، وقد تنحرف عن مسارها بعض الشيء وتحتاج مع مرور الوقت إلى عملية تصحيح مسار.

 تجربة الإصلاح الاقتصادي في مصر لم تتشابه مع نماذج اتسمت بالتريث مثل ماليزيا والصين أو نماذج اتسمت بالتسرع مثل دول أوروبا الشرقية. فهل تعتبر الحالة المصرية خصوصية متفردة؟ وهل هذا التفرد له دلالات سلبية أم إيجابية؟

نعم مصر كانت حالة متفردة عن هذين النموذجين ولكنه تفرد له دلالات سلبية، فلقد تأخرنا كثيرا في إجراء عملية الإصلاح الاقتصادي، ويلاحظ أننا في مصر نفتقد إلى سياسة النفس الطويل، وعملية التنمية لابد لها من زمن طويل حتى تتم عملية التراكم التي تحدث التنمية، فالتجربة المصرية يصدق عليها قول الله عز وجل "كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً"(سورة النحل، الآية 92). بينما التجربة الصينية مثلاً استمرت في تحقيق معدل نمو يصل إلى 10% لمدة 20 سنة متواصلة، ونحن نحتاج لمثل هذا الأداء طويل الأجل، فمصر يتوافر لها من الإمكانيات والقدرات ما تستطيع أن تحقق مثل هذه المعدلات، ولكن على شرط أن يتوفر لعملية التنمية قيادة لها رؤية تسعى لتحقيقها وأن تدعى كل القوي للمشاركة في عملية التنمية، وألا تقتصر الدعوة على أهل الثقة فقط، ولكن يدعى كل من لديه فكر أو إسهام يمكن أن يقدمه حتى لو اختلف معنا في الرأي، إضافة إلى وجود المساءلة العامة.

فالواقع يبين أننا بدأنا الانطلاق أكثر من مرة ولكننا لا نكمل ما بدأناه فتتم عملية إجهاض لعملية الانطلاق، وأشير في هذا الصدد إلى بعض الشواهد التي تؤيد ما ذهبنا إليه. فبعد الحرب العالمية الثانية خرج الخبراء اليابانيون ليستكشفوا البلدان التي يخشون منافستها لمنتجاتهم، فرجعوا بتقريرهم يشيرون إلى مصر، والشاهد الثاني أننا كنا مطلع خمسينيات القرن الماضي نتساوى مع إسبانيا اقتصاديا وتكنولوجياً ونتفوق بكثير على كوريا الجنوبية، فأين نحن الآن من هذه الدول؟

إلى أي حد يمكن اعتبار سياسات الصندوق والبنك الدوليين في صالح الاقتصاد المصري؟ خاصة وأن تطبيق روشتة الصندوق والبنك نتج عنها آثار اجتماعية سلبية يعاني منها شريحة كبيرة من الشعب المصري؟

 سياسات الصندوق والبنك الدوليين تنبع من تبني اقتصاد السوق والحرية الاقتصادية، وكانا في الماضي يهملان الآثار الاجتماعية للإصلاح الاقتصادي، ولذلك كانت هذه السياسة مصدراً للمظاهرات والاحتجاجات والاعتراضات عليها في أماكن كثيرة بالعالم. ولكن الآن تعلم الصندوق والبنك الدرس ويتبنيان برامج للإصلاح تراعي الجوانب الاجتماعية وتساند الشرائح المهمشة، وتدعو إلى تكوين الصندوق الاجتماعي لمراعاة الآثار الاجتماعية السلبية، ليس في مصر وحدها ولكن في العديد من الدول.

وعلينا أن نعلم أن قواعد اللعبة الدولية الآن تجعل أي دولة تطلب المساعدة وتتبنى برامج للإصلاح عليها أن تعتمد هذه البرامج من الصندوق والبنك الدوليين كجهتن ارتضاهما المحيط الدولي للحكم على صلاحية برامج الإصلاح، كيلا تعود هذه الدولة للوقوع في مشكلات اقتصادية مرة أخرى. وبخصوص التجربة المصرية فيلاحظ أن عدم وجود عدالة في توزيع الدخل بين الفئات المختلفة جعل المستفيد من ثمار الإصلاح هم الأغنياء، ولم يشعر بهذه الثمار الطبقة المتوسطة والفقراء، ومن هنا فعلى الحكومة ومجتمع الأعمال أن يتداركا هذا الخطأ لتصحيح هذا الوضع بحيث يكون الجزء الأكبر من ثمن الإصلاح يقع على عاتق الأغنياء.

 لا يزال الجدل قائما بين النخبة حول برنامج الخصخصة، كما أن هذا البرنامج يفتقد إلى تأييد رجل الشارع، ومع ذلك لم تأبه الحكومة بمعترضي النخبة ولا رد فعل رجل الشارع، وتستمر في تنفيذ برنامج الخصخصة. فما هي انعكاسات هذا التصرف على الأداء الاقتصادي في مصر؟

 كان في مصر حتى ثمانينيات القرن الماضي قطاع عام مترهل ومتوسع بشكل كبير ويتحمل خسائر كبيرة، وإن كان هناك عدد قليل من وحداته يعمل بكفاءة، وكان من الضروري خصخصة القطاع العام، وإن كانت الخصخصة ليست مطلوبة في حد ذاتها.

ورغم الإعلان عن عدم التفريط في حقوق العمال عند تطبيق برنامج الخصخصة ، فإن أعدادا كبيرة منهم خرجوا ضمن برنامج المعاش المبكر دون أن تتوافر لهم فرص عمل بديلة، أو عمليات تأهيل لسوق العمل بوظائف أخرى، فضلاً عن عدم توافر استثمارات تستوعبهم أو تستوعب غيرهم من الداخلين الجدد لسوق العمل. فكان المفترض بعد ثلاث سنوات من تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي أن تحدث تنمية متسارعة حيث تم تصحيح العديد من المتغيرات الاقتصادية. ومن وجهة نظري كان ينبغي عند تطبيق برنامج الخصخصة مراعاة ألا يكون كل شئ للبيع، وهناك وحدات لا ينبغي خصخصتها، على الأقل في المراحل الأولى للتنمية إلى جانب حصول الدولة على الثمن العادل لبيع الشركات والمؤسسات حتى لا يشعر الأفراد بأن هذه الأموال نهبها الرأسماليون. ولكي يتفاعل المجتمع ويتحقق من جدوى برنامج الخصخصة في عملية التنمية، لابد من عمل الوحدات التي يتم خصخصتها بكفاءة والحصول على الثمن العادل وتحقيق نمو متسارع يستوعب الأيدي العاملة التي تم الاستغناء عنها من خلال الخصخصة.

كما ينبغي ألا تكون عمليات الخصخصة في مجملها لغير المصريين، حتى لا يشعرون بأنهم أصبحوا غرباء في وطنهم، وألا تؤدي الخصخصة إلى احتكار يؤدي لاستغلال السوق، والمقصود هنا على سبيل التحديد ما حدث في صناعة الأسمنت.

كلما تعرضت مصر لمشكلات اقتصادية خانقة أتى الفرج من الخارج مثل أزمة المديونية الخارجية في الثمانينيات حيث أتى الحل من خلال اتفاق الصندوق والبنك الدوليين، بعد موقف مصر من أزمة و الخليج، أو حالة الركود والكساد بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 حيث شهدت مصر خلال السنوات الثلاث الماضية تدفقات ناتجة من الوفرة النفطية لدول الخليج. فهل مصر لا تمتلك زمام حل مشكلاتها الاقتصادية وإذا كان لديها من الإمكانيات ما يسمح لها بذلك فما هي؟

المجتمع المصري يهم المصريين في المقام الأول، وبالتالي علينا أن نتابع مشكلاتنا بأنفسنا ولا ننتظر للحلول الخارجية، فبعض هذه المتغيرات الخارجية تحركها السياسات والأهواء، ولذلك لابد أن يكون الإصلاح داخلياً بالدرجة الأولى وفي أقرب وقت. ولكن لابد أن ندرك أن التعاون الاقتصادي العربي يمثل صمام أمن وأمان لكافة دول المنطقة، وعلى أصحاب القرار والفكر والرأي أن يدفعوا في هذا الاتجاه. ولا يغتر البعض إذا ما توفرت له بعض الإمكانيات ويريد أن يتفرد به لنفسه، فعلى الأجل الطويل لا توفر له هذه الإمكانيات الأمن والأمان والاستقرار المطلوب، ولذلك فالعمل في دائرة التعاون الاقتصادي العربي فيه مصلحة الجميع.

أما عن إمكانيات المجتمع المصري فهي كثيرة، وقادرة على إخراج مصر من مشكلاتها الاقتصادية من حيث توافر الموارد البشرية أو المادية أو المالية، وعلينا أن نستفيد من تجارب الآخرين وكيف استطاعت اليابان أن تبني نفسها رغم افتقادها لكثير من الموارد الطبيعية.

يلاحظ وجود فريقين داخل المجتمع المصري تجاه مستقبل اقتصاد بلدهم، الفريق الأول للمتشائمين والثاني للمتفائلين، فإلى أي الفريقين ينتمي الدكتور سلطان أبو علي؟

أرى أننا حققنا بعض الإنجازات في الجانب الاقتصادي، واعتقد أن معدل النمو في تزايد، ومطلوب تحقيق معدل زيادة أكبر مما هو عليه، ومصر لديها القدرة على ذلك وتستحق أفضل مما هي عليه الآن، والخطر الذي يتهدد الجانب الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي هو تحقيق الاستقرار السياسي الذي يرسخ سلاسة انتقال السلطة ويحقق مزيدا من تشابك النسيج الاجتماعي، وهذا الأمر لابد أن يساهم فيه الجميع: المجتمع والدولة، لكي يتحقق الاستقرار السياسي بمشاركة الناس وينتشر التسامح وتداول السلطة بطرق سلمية.

أما عن الانضمام لأي من الفريقين، فعلى المدى الطويل أنا متفائل، حيث إنه ليس من حق أي شخص كائن من كان أن ييأس من تنمية مجتمع ما، ولكن في الأجل القصير أي خلال ثلاث إلى أربع سنوات، إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه فأتخوف من أن تتفاقم مشكلات المجتمع، وهذا أمر سيئ، وما لم نفق بسرعة فالعواقب وخيمة.

المصدر : الجزيرة