محمد عبد العاطي
 
محاولة خطف أكثر من مائة طفل من السودان وتشاد للاتجار بهم داخل أوروبا على يد جمعية فرنسية خلال اليومين الماضيين استدعت إلى ذاكرة البعض تجارة أخرى مشابهة لا تقل عنها قسوة عرفت تاريخيا باسم تجارة الرقيق.
 
وقد ظن البعض أنها اختفت تماما من عالم اليوم وبالأخص من تلكم الدول التي توصف بالمتحضرة، غير أن البعض اعتبر واقعة خطف الأطفال دليلا على استمرارية هذا النوع من التجارة غير المشروعة رغم مرور كل هذه السنين.
 
تجارة الرقيق
رغم أن التاريخ البشري عرف منذ القدم الرق والعبودية فإنه لم يعرف تحول هذا الأمر ليصبح تجارة عالمية واسعة الانتشار تقوم بها منظمات إجرامية متخصصة تساندها دول بالمال والسلاح، إلا في الفترة الواقعة بين عامي 1500 و1900.
 
فعلى مدى خمسة قرون عاش العالم ما عرف بتجارة البشر أو تجارة الرقيق، وذلك تلبية لاحتياجات المهاجرين الأوروبيين الذي بدؤوا يتوافدون على القارة التي اكتشفها الإسباني كريستوفر كولومبوس عام 1492 وأطلق عليها اسم "أميركا".
 
وجد المهاجرون الأوروبيون في أميركا مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ومصادر وفيرة من المياه وتنوعا في الأقاليم المناخية من شمال القارة إلى جنوبها، الأمر الذي يعني كنزا زراعيا متجددا.
 
لكن واجهت هؤلاء المهاجرين عقبتان الأولى تمثلت في السكان الأصليين المعروفين تاريخيا بالهنود الحمر، والثانية انعدام الأيدي العاملة اللازمة لزراعة كل هذه المساحات.
 
وثائق تاريخية
في مدينة ليفربول البريطانية يوجد واحد من أكبر وأهم متاحف العالم لتوثيق هذا النوع من تجارة البشر يسمى متحف العبيد الدولي.
 
يضم هذا المتحف بين جنباته آثارا تم تجميعها مما كان مستعملا مثل الأغلال والسلاسل التي كان يستعملها تجار البشر أثناء "شحنهم" للعبيد عبر المحيط الأطلسي.
 
لكن أهم ما في هذا المتحف هو مجموعة الوثائق التاريخية -المنشور بعضها على موقعه على الإنترنت- والتي تتناول بالتفصيل كيفية "اصطياد" هؤلاء البشر من بلدانهم وشحنهم إلى أوروبا وأميركا.
 
وفقا لهذه الوثائق فقد كانت أهم المناطق التي مارس فيها تجار البشر نشاطهم دول الساحل الغربي لأفريقيا وصولا إلى قلب هذه القارة.
 
وتقدر بعض الوثائق سالفة الذكر أعداد من خطفهم التجار الأوروبيون من أوطانهم وذويهم وتحويلهم من أحرار إلى عبيد بـ12 مليونا، في حين تصل وثائق أخرى بالعدد إلى 50 مليونا.
 
رحلات الموت
كانت رحلات تجارة البشر تستغرق من السواحل الأفريقية إلى نظيرتها الأوروبية ما بين 4-6 أسابيع، وكانت ظروف "الشحن" من السوء لدرجة أن أكثر من نصف من كان يتم شحنهم يمرضون ويموتون على ظهر السفن المعدة لذلك مما كان يضطر التجار في كثير من الأحيان إلى التخلص من جثث الموتى بإلقائها في مياه المحيط.
 
أما استكمال الرحلة إلى الشواطئ الأميركية فكان أكثر مشقة ورعبا دفع كثيرا ممن نجوا من المرض أو الموت إلى الانتحار بعد أن فرغ صبرهم على التحمل.
 
أضرار وخيمة
فضلا عن فقدان الحرية والإجبار على تغيير الأسماء والمعتقدات، وفضلا عن الأضرار النفسية التي تركتها عمليات الخطف والشحن والتسفير فإن القارة الأفريقية التي تعرضت لهذا النوع من التجارة عانت من "خلخلة سكانية" أفقرتها بعد أن أفرغتها من الكثير من السكان الذين كانوا في عمر الشباب.
 
تحريم الرق
بدأت تجارة الرقيق تفقد بريقها وتقل أرباحها بعد تحول البلدان الأوروبية من الاعتماد الاقتصادي على الزراعة إلى الصناعة مع ظهور الثورة الصناعية.
 
وقد بدأت بريطانيا منذ منتصف القرن التاسع عشر في إصدار بعض القوانين والتشريعات التي تحرم هذا النوع من التجارة، وبدأت تأمر أساطيلها المنتشرة في بحار العالم لملاحقة تجار البشر.
 
وفي القرن العشرين ومع تزايد دعوات حقوق الإنسان صدرت القوانين والمواثيق الدولية التي تحرم هذه التجارة، واختفت "ظاهرة" الرق حتى كاد العالم ينساها لولا أن أعادت حادثة اختطاف أكثر من مائة طفل على يد جمعية فرنسية الأيام الماضية إلى الأذهان هذه القصة من جديد.

المصدر : الجزيرة